وهنا التفت الشاعر من المخاطب في قوله تحسب - إلى الغائب في قوله: «عليها نجدة» - وأرى: أن في بيت طرفة - هذا - معنى عميقًا يتجلى في وصف لحظ المرأة العفيفة بالفتور والاستحياء حتى لكأن نظرتها تعبر عن طلب نجدة من أذى أو مرض ألم بها.
وينتقل ابن رشيق من الحديث عن الالتفات والحذف إلى شواهد أخرى من خلال أسلوب المحاورة, وابتكار المعاني, وحسن الاستعارة فيقول: ومن محاورات امرئ القيس التي تقدم فيها وفاق الناس, قوله:
تقول وقد جردتها من ثيابها ... كما رعت مكحول المدامع أتلعا
وعيشك لو شيء أتانا رسوله ... سواك ولكن لم نجد لك مدفعا
والحق أن الخصائص الفنية في أسلوب امرئ القيس من الجديد الرائع لفظًا ومضمونًا, غير أن ابن رشيق وهو صاحب الذوق الرفيع والناقد البصير نسي أو تناسي ما يلف المعنى من سقوط خلقي لا يليق بشاعر فحل كامرئ القيس, ولكنها النفس الأمارة بالسوء.
ومثل هذين البيتين من سقطان المعاني في شعر امرئ القيس إذا تعزل وما أكثر سقطاته.
قال ابن رشيق: أخذه ابن ربيعة وهو من المشهورين في هذا المذهب والمجددين فيه فقال:
وناهدة الثديين قلت لها: انكي ... على الرمل من ديمومة أم تمهد
فقالت: على اسم الله أمرك طاعة ... وإن كنت قد كلفت ما لم أعود
فأين تراه منه وإن كان لم يبق غاية؟؟
وأقول في بيتي ابن ربيعة: إنهما لا يقلان فحشا ًوتعهرًا عن بيتي امرئ القيس. فالجرم أكبر من الشاعر الراوي, لكونهما إسلاميان.
وإذا كانت رواية ابن رشيق واستشهاده بمثل هذا الشعر إنما يعني توفر الخصائص الفنية في اللغة لفظًا ومعنى ففي الاستشهاد بشعر القدماء والمحدثين ما يغني عن مثل هذا.
قال - وما زلنا نتناشد قول ابن هاني: -
إذا ذكرته النفس جاشت لذكره ... كما عثر الساقي بكأس من الخمر
فنستملحه ونظن انه ابتكره - إلى أن فكرت في قول امرئ القيس:
إذا نال منها نظرة زيع قلبه ... كما ذعرت كأس الصبوح المخمرا
فعلمت أنه هو الذي فتح له هذا المعنى, وإن لم يكن المعنيان سواءً .. والشاعر يورد لفظًا لمعنى فيفتح به لصاحبه معنى سواه لولاه لم يفتح.
وأرى: أن الشطر الثاني من بيت ابن هاني لا كبير تحته. فأي معنى يمكن أن يفيده المتلقي من تشبيه جيشان النفس بهية العاشر بكأس الخمر فما أبعد ما بين الحالين, ولكن لعل الشاعر أراد بالعاشر بكأس الخمر من لقيها بين شاربيها بعد طول غياب وشوق إليهما. لا المعنى الأول المتبادر إلى الذهن الذي هو العثرة بمعنى السقوط.