ويمضي ابن رشيق في سرد الشواهد المبتكرة فيورد شعرًا لدليل آل المهلب وقد هربوا من سجن الحجاج بن يوسف. من قوله - أعني دليل آل مهلب:
وقوم هم كانوا الملوك هدتهم ... بظلماء لا يبدو بها ضوء كوكب
نفر فرار الشمس مما وراءنا ... وندلج في داج من الليل غهيب
ففتح بقوله هذا «فرار الشمس» لأبي الطيب قوله:
وألقى الشرق منها في ثيابي ... دنا نيرا تفر من البنان
قال أبو تمام:
دار أجل الهوى من ألم بها ... في الركب إلا وعيني في منائحها
فقوله: «ألم بها في الركب» هو الذي فتح لأبي الطيب قوله:
وقد زعم قوم أنه إنما نظم كلام الإمام مالك بن أنس رحمة الله تعالى عليه لما دعاه الخليفة فأبى أن يركب الدابة, وقال: لا أركب في أرض بها جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والحق أن أخذ اللاحق من السابق. لا يكفي مقياسًا لتقديم أو تفضيل شاعر على آخر. فقد يكون اللاحق الذي زاد شرفًا على السابق غير الشاعر الذي أورده الناقد ليقوم شعره في ضوء هذا المقياس.
فهل يستطيع ناقد أن يحصي الشعراء عامتهم في كل زمان ومكان؟! ليعرف أول شاعر سبق وأول شاعر لحق فأفاد وأخذ وزاد قبل غيره مثل هذا الصنيع يكاد أن يكون ضربًا من المستحيل. والحكم بهذا المقياس إنما ينطبق على من أوردهم الناقد في دراسته, ويبقى الأمر متعلقًا بالسابق الأول واللاحق الأول وما أصعب الوقوف عليهما.
ومعلوم أن مقياس التقديم والتفضيل لشاعر على آخر من أهم مقاييس النقد عند القدماء والمحدثين من لدن النقد في العصر الجاهلي إلى تطوره في القرنين الرابع والخامس فقد عمرت به مجالس الأدباء والنقاد من أعيان الفكر والأدب حتى تجلت قيمة هذا المقياس النقدي «في انقسام الأدباء حول تفضيل واحد من الشعراء على إضرابه من الشعراء الآخرين, أو تفضيل اتجاه على اتجاه آخر, وكما نعلم فقد اتسمت هذه المحاولات بالتعليلات النقدية التي أخذت تتوسع شيئًا [1] حتى شمل التفضيل تقديم الشاعر على آخر إما لقوة وجزالة في اللفظ, وإما لقوة وعمق في المعنى, أو لسعة في الخيال أو للطف في الأخذ, أو لانفراد في الاختراع والابتكار.
وكان من التعليلات أنما تحققت من خلال مقياس التفاضل والتقديم حتى أخذ كل تعليل منها يشكل مقياسًا نقديًا آخر. ولد عند النقاد قضية اللفظ والمعنى وما تبعهما من مقاييس جزئية أخرى نلحظها في كتب النقد التي تنهج نهج الموازنات والمفاضلات والنظر في النقائض وتلك مسألة سنعرض لها بشيء من
(1) الحركة النقدية على أيام ابن رشيق المسيلي, ص 28.