قال ابن رشيق: فإن هذا وأشباهه مما انفرد به كل واحد من الشعراء, وإن كان ذلك قليلًا جدًا لا يكاد يتناوله حاذق إلا أن يزيد فيه زيادة تحسنه أو ينقص من لفظه ويستوفي معناه فيكون له أيضًا فضيلة الإيجاز ولذلك تحامي الناس أشياء كثيرة من المعاني أخذت حقها من اللفظ فلم يبق فيها فضله تلتمس والقرائح تتفاضل. ألا ترى إلى قول جميل في صفة امرأة فاجأها:
غدا لاعب في الحي لم يدر أننا ... نمر ولا أرض لنا بطريق
فلما افتجيناه اتقانا بكمه ... وأعلن من روعاتنا بشهيق
كيف وصف حقيقة الحال حتى صورها تصويرًا مع حسن لفظة وجزالة بنية, ومع ذلك ليس ببالغ قول النابغة:
سقط النصيف ولم ترد إسقاطه ... فتناولته واتقتنا باليد
على أن النابغة أقدم عصرا ًوأشبه بالفخامة من جميل.
وكذلك قول الطرماح يصف أثر لحي الناقة في الأرض:
وتوضع مشكوكين ألقتهما معًا ... كوطأة ظبي القف بين الجعائن
لم يبلغ به قول المخبل السعدي يصف دارًا مقفرة [1]
وكأنما أثر النعاج بحوها ... بمدافع الركنين درع جواد
وقد نقله ابن المعتز على جهته فقال في صفة دار:
كأن آثار وحشي الظباء بها ... درع تخلفها أظلافها نشق
وأنشد أبو عمرو الشيباني في القرموظ من شمر الغضا وهو كالرمان:
وينشر جيب الدرع منها إذا مشت ... جميل كقرموظ الغضا الخضل الندى
ولا أدري هذا الشعر قبل النابغة أم بعده وعلى كل حال فقول النابغة:
يخططن بالعيدان في كل منزل ... ويخبآن رمان الثدي النواهد
أجل منه وأجود سبكًا وأحسن ديباجة.
وقال الفرزدق:
وغد وبعد غد كلا يوميهما ... يبدي لك الخبر الذي لم تعلم
هكذا أنشده برفع «بعد» جعله اسمًا وقد قصر عن قول طرفة:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلًا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود
لأنه جاء بالتقسيم في بيت.
(1) المخبل السعدي بن مالك من بني شماس بن لأي بن أنف الناقة هاجر إلى البصرة عرف بالمخبل المجنون وردت أخباره في الأغاني والخزانة والإصابة, الشعر والشعراء, ص 420.