ومن هنا ندرك أن ابن رشيق في كثير من أحكامه ومقاييسه النقدية من خلال فنون البلاغة التي عرضها مجملًا. ندرك أنه يعمم الحكم في الحسن والجودة وعدمها, دون أن يبين وجه الحسن ووجه الجودة والرداءة من خلال الفن البلاغي الذي يعرضه, وإنما يكتفي بقوله:
هذا أحسن لأنه جاء بالتتميم, أو لأنه جاء بالتشبيه, أو لأنه جاء بالتقسيم. والحق أن هذه الفنون إن جاء بأحدها الشاعر في بيته أو في قصيدته فإنه لا يتم له الحسن, ولا تتحقق له الجودة حتى يكون ما جاء به موافقًا لنسق النظم من حيث اللفظة المفردة والتراكيب ومن حيث اكتمال المعنى وعمقه. فوظيفة البديع في جميع ألوانه التي درسها البلاغيون إنما تنحصر في خدمة اللفظ والمعنى معًا. وبذلك تتبين الفضيلة, وتحصيل المزية.
فلو بنى الشاعر لفظه ومعناه على الاستعارة. مثلا. لمجرد التنقل بالكلام من الحقيقة إلى المجاز, أو لحاجه الشاعر إلى لفظة ما في تقويم وزن البيت واستعمالها يملي الاستعارة إن طوعًا وإن كرهًا. فإن هذا العمل الفني لا تتم له الجودة بمجرد هذا التصرف.
وإنما وراء هذا العمل خصوصية أخرى هي الابتكار. ومن هنا ليس كل تقسيم, «وليست كل استعارة بديعًا وإنما ذلك وقف على المبتكر المخترع من الاستعارة» [1] وغيرها من فنون البلاغة العربية بديعًا أو معاني أو بيان.
قال ابن رشيق: ومما وقعت فيه زيادة أوجبت لصاحبها الفضيلة قول الفرزدق:
كلتا يديه يمين غير مخلفة
تزجي المنايا وتسقي المجدب المطرا
أخذه ابن المعتز أخذ الحذاق: فقال في علي والعباس رضي الله عنهما:
مثل عباس وعلي ... كيد أخت يد
لا تقل يميني ويسرى ... فهما من أحمد
فزاد هذه الزيادة الصحيحة المليحة.
وأقول: إنه على الرغم من حسن البيتين فإنهما دون قول الفرزدق وإن كان يعتد له بالأفضلية لسبقه إلى المعنى. لأن اللاحق له متى أخذ منه فلا بد من أن يجيد أكثر فإن قصر أو جاد مثله فلا أفضلية للاحق على سابق. ومثل هذه الوقفات التي نذكرها في عرض موضوعات القراضة إنما هي توطئة لما سندرسه بالتفصيل في موضوع المقاييس البلاغية والنقدية عند ابن رشيق في كتابه هذا.
ويمضي ابن رشيق في دراسة بقية هذه الموضوعات مما يتعلق بالمعاني المخترعة وطرق الأخذ مرجيا كثيرًا من الشواهد التي تبين فضل السابق على اللاحق وما استطاع أن يزيده من أخذ من غيره.
(1) الباقلاني وكتابه إعجاز القرآن للدكتور عبدالرؤوف مخلوف ص 489.