وتعالى زاخر بطائفة كبيرة من التشبيهات القرآنية التي حذا حذوها وأفاد منها أدباء العربية منذ أن نزل القرآن الكريم وخاطبهم بها.
وعلى هذا الفن بنيت دراسات بلاغية ونقدية وأدبية, ولا يعدم أي باحث في فنون القول من الوقف عليها والإفادة منها.
ومن بينها ما حرره ابن رشيق في قراضته فما زال قال عن تأثير التشبيه في تقويم الأعمال الأدبية؟
طالعنا أول شاهد من شواهد القراضة على التشبيه وأثره من خلال اللفظ والمعنى في مرثية الأمير أبي منصور في البيت الثالث من أربعة أبيات بنى عليها ابن رشيق منهجه في البحث حيث ذكر أنها من دوافع كتابته هذه القراضة.
إذ قال مخاطبًا أبا الحسن علي بن القاسم اللواتي:
«بلغني أغزك الله تعالى أنك استحسنت معنى البيتين من مرثية الأمير سيدنا أبي منصور نضر الله وجهه, وهما الأخيران من هذه الأربعة الأبيات:
ألم ترهم كيف استقلوا به ضحى ... إلى كنف من رحمة الله واسع
أمام خميس ماج في البر بحره ... يسير كمتن اللجة المتدافع
إذا ضربت فيه الطبول تتابعت ... به عذب تحي ارتعاد الأصابع
تجاوب نوح بات يندب شجوه ... وأيدي ثكالى فوجئت بالفواجع
وإذا تأملنا هذه الأبيات بان لنا التشبيه في أربعة مواضع:
1 -في قول الشاعر هنا «يسير كمتن اللجنة المتدافع» .
2 - «به عذب تحي ارتعاد الأصابع» .
3 -تجاوب نوح بات يندب شجوه.
4 -وأيدي ثكالى فوجئت بالفواجع.
والمعنى في وصف الجمع المحتشد الذي يسير وراء الجنازة ففي التشبيه الأول شبه الجموع المحتشدة بمتن اللجنة بجامع التداخل والاضطراب والكرة وساق الأداة وهي الكاف في «كمتن» .
وفي الثاني شبه أطراف العمائم التي هي «العذب» في حركتها بحركة الأصابع في ارتعادها والزيادة قوله «تحكي» .
وفي الثالث جعل المصدر أداة التشبيه [1] من قوله: «تجاوب نوح» أراد بذلك تشبيه النواح والعويل بصوت من يندب.
(1) يستعمل المصدر أداة تشبيه كما قال تعالى: {وهي تمر مر السحاب} ونحو خرج خروج القدح ومرق مرق السهم وطلع طلوع النجم, الجمان في تشبيهات القرآن لابن ناقيا ص 44.