وظل كمثل الخشف [1] يرفع رأسه ... وساتره مثل التراب المدقق
وجاء خفيفًا يسفن الأرض بطنه ... ترى التراب منه لاصقًا كل ملصق
فقوله: «لاصقًا كل ملصق» هو الإشارة وهو نوع يسمى «التتبيع» وقوله:
ويضحى فتيت المسك فوق فراشها ... نؤم الضحى لم تنطق عن تفضل
فقوله: «فتيت المسك» يدل على أنه متملكة, وكذلك قوله: «نؤوم لضحى» وقوله: «لم ينطق عن تفضل» أي من النطاق. يعني أنها مخدومة مكتفية المؤونة فقد أتى في هذا البيت بثلاث إشارات كلها تتبيع, ترك الصفة وأتى بما يدل عليها وبعضهم يسمي هذا النوع بـ «الإرداف» .
وأرى أن ابن رشيق في دراسة هذه الفنون. أعني.: المبالغة التي استمد منها «الاحتراس» واستمد من الاحتراس التتميم, والتتبيع, والإيغال, والإشارة, والأرداف .. أرى أنه لم يبعد في نظرته إلى هذه الفنون حين بنى عليها مقياسًا نقديًا فإنها ذات مصب واحد إلا ما كان من الإيغال فإنه فن أكبر أثرًا من المبالغة, ودونه في الأثر والتأثير في المعنى ما كان من قبيل التتميم والتتبع والاحتراس والإشارة.
فكان حق هذا الفن. أعني الإيغال. أن يفرد بعدد من الشواهد فشأنه في التأثير شأن المبالغة بل هو أكبر, ولعله راعى في هذه النظرة جانب الاختصار فقد درس هذا الفن بمزيد من التفصيل والاستقصاء في كتابه «العمدة» فإنه يحيل عليه في كثير من موضوعات القراضة.
ومن بين الفنون البلاغية التي اتخذها ابن رشيق مقياسًا نقديًا يزن به قيمه النص فن الإيجاز.
ومعلوم لدى البلاغيين والبلغاء والنقاد قيمة هذا اللون البياني في البلاغة العربية حتى جعل الكثيرون ممن يحثوا في علم البلاغة تعريفًا لها فقالوا: «البلاغة الإيجاز» يقول أبو هلال العسكري: «قال الهندي البلاغة وضوح الدلالة, وانتهاز الفرصة, وحسن الإشارة» . قال عبدالله بن عتبة: البلاغة دنو المأخذ وقوع الحجة .. وقليل من كثير ... وقال بعض الحكماء: البلاغة قول يسير يشتمل على معنى خطير, وهذا مثل قول الآخر:
البلاغة حكما تحت قول وجيز ... البلاغة علم كثير في قول يسير
قال: وقد قيل لبعضهم: ما البلاغة؟ فقال: الإيجاز, قيل وما الإيجاز؟ قال: حذف الفضول وتقريب البعيد: [2] .
واستدل كل من ذهب من الأدباء مذهب أبي هلال في تحديد معنى البلاغة وأن من هذا التحديد «الإيجاز» واستدل كل منهم بشيء كثير من جيد المنظوم والمنثور من كلام العرب وجعل كل منهم في الذروة شواهده كلام الله سبحانه وتعالى وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(1) الخشف: بفتح الخاء وسكون الشين ويضم الحاء أيضًا ذباب أخضر, والضبي يعد أن يكون جداية, والخشف يفتح الحاء أيضًا المر السريع: لسان العرب مادة خشف جـ 9 ص 69, 70.
(2) الصناعتين لأبي هلال العسكري تحقيق علي البجاوي ومحمد أبي الفضل إبراهيم ص 22, 43, 179.