غير أن أبا هلال أغفل أولئك الأعلام «فلم يجهد نفسه في التعرف عليهم» [1] ويكفي بلفظة «قالوا» ومن قولهم في ذلك, وقال الهندي وقال العربي .. ».
وإذا وقفنا على ما أورده ابن رشيق عن فن «الإيجاز» في «القراضة» وجدنا الشاهد المتخير ولمسنا ما يدل على حذقة الفن الأدبي ناقدًا ومحللًا علاوة على ما درسه عن هذا الفن في كتابه «العمدة» ومن ضمن هذه الدراسة قوله عن الإيجاز: «الإيجاز عند الرمان على ضربين: مطابق لفظه لمعناه لا يزيد عليه ولا ينقص عنه كقولك: «سل أهل القرية» ومنه ما فيه حذف للاستغناء عنه في ذلك الموضع كقول الله تعالى: {واسأل القرية} وعبر عن الإيجاز: بأنه العبارة عن الغرض بأقل ما يمكن من الحروف [2] .. ويستقصي ابن رشيق ما يتصل بهذا الفن في كتابه العمدة في لأكثر من موضع.
وبهذا الذي ذكرت عن الإيجاز في بعض آثار البلاغيين وبخاصة ما درسه ابن رشيق يتبين منهجه في دراسة هذا الفنون البلاغية على الوجه الذي أشرت إليه في أكثر من موضع من هذه الدراسة, وأنه إنما أوردها في القراضة ليقوم من خلالها بعض مناحي القول في هذه الأشعار التي استشهد بها.
فماذا عن تأثير الإيجاز في الأشعار التي قومها بواسطته؟ أورد ابن رشيق تسعة أبيات من الشعر لعدد من الشعراء وهم: امرؤ القيس, عبده بن الطيب, كثير عزة, قيس بن ذريح, وأشار إلى آخرين يقوله: كقول الآخر.
ونجتزئ من هذه الشواهد بيت كثير عزة, لأنه سبق الكلام على شواهد الإيجاز في عرض موضوعات القراضة من الدراسة [3] .
قال ابن رشيق: وقال كثير:
ونفس إذا ما كنت وحدي تقطعت ... كما انسل من ذات النظام فريدها
البيت في معنى الشوق والتبريح والهيام وذكر الأحبة, وكل هذه المعاني مصدر عطاء ثر يمتاح منه الشعراء تعابيرهم ومعانيهم في التهالك على الصبابة.
وهنا يصف كثير نفسه وقد ذهب بها الهوى كل مذهب, وصار في وحدة وبعد من عزة تلك التي ملكت عليه مشاعره حتى عرف بها في شعره الغزلي فقيل كثير عزة.
يرى ابن رشيق إن البيت مما أخذه كثير من شعر امرئ القيس من قوله:
أفاطم مهلًا بعض هذا التدلل ... وإن كنت قد أزمعت قتلي فأجملي
(1) أبو هلال العسكري ومقاييسه البلاغية والنقدية ص 117 ط 3.
(2) العمدة لابن رشيق ص 250.
(3) انظر ص 41, 42, 43 من هذا البحث.