الصفحة 57 من 141

والإيجاز في البيت هنا من قبيل إيجاز القصر الذي هو التعبير بالنكرة في قوله: ونفس ثم وصفها بقوله: تقطعت, وفي التعبير بصيغة الفعل هنا معنى لطيف يكمن في تقطع هذه النفس بصورة حسية ملموسة مع أن النفس مما لا يدرك بالحواس وفي هذه الصورة يذهب الخيال كل مذهب.

ثم في تشبيه هذه الصورة بمشهد انخراط حبة العقد المنظوم وقد تناثرت حباته بمرآى من صاحبته التي تصونه وتحافظ عليه معلوم أن من خصائص التشبيه في العبارة الأدبية الإيجاز ففيه التقريب بين أجزاء المشبه والمشبه به حتى تأنس به النفس بسبب إخراجها بواسطته» من خفي إلى جلي كالانتقال مما يحصل لها بالفكرة إلى ما يعلم بالفطرة, أو بإخراجها مما لم تألفه إلى ما ألفتته, أو مما تعلمه إلى ما هي به أعلم كالانتقال من المعقول إلى المحسوس.

يكفي في تحقق الإيجاز من خلال التشبيه قول ابن الأثير: «إن التشبيه يجمع صفات ثلاث: المبالغة البيان والإيجاز» [1] .

وهذا كله من أسرار الإيجاز الذي سلكه في التعبير عن معناه كثير عزة. ولم يشر ابن رشيق إلى مكانة هذا البيت من بين تسعة أبيات ساقها لعدد من الشعراء قبل بيت كثير وبعدها وكلها من شواهد الإيجاز ويظهر أن بيت كثير في نظر دونها جميعًا.

على حد قوله في بيت لمجنون ليلى: «أخذ المجنون - يعني من بيت امرئ القيس - وهو أي المجنون أولى به أي بيت امرئ القيس.

وأرى أن بيت كثير أولى ببيت امرئ القيس من المجنون وغيره ولكن الأمر هنا يخضع للذوق والفطرة ولا مشاحة في الذوق.

وفي عدد من صفحات القراضة يسوق ابن رشيق ما يزيد على ستة عشر بيتًا يجعل منها مقياسًا نقديًا مبنيًا على فن التقسيم, ذلك اللون البديعي الذي جوز به الشاعر والناثر الفضيلة والسبق متى أحسن وأحكم الصياغة. كقول طرفة بن العبد:

ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلًا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود

قال ابن رشيق قصر عنه الفرزدق في قوله:

وغد وبعد غد كلا يوميهما ... يبدي لك الخير الذي لم تعلم

لأن طرفة جاء بالقسيم في بيت.

قال ومما وقعت فيه زيادة أوجبت لصاحبها الفضيلة قول الفرزدق:

كلتا يديه يمين غير مخلفة ... تزجي المنايا وتسقي المجدب المطرا

(1) الإيضاح للخطيب القرويني ص 10 وبغية الإيضاح لعبدالمتعال الصعيدي ص 17.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت