الصفحة 59 من 141

وقال عن التوليد: وربما تناول الشاعر إن معنى شاعر متقدم ليولدا منه معنى محدثًا فاتفقا كقول حمزة بن بيض [1] يمدح الفيض:

ولائمة لامتك يا فيض الندى ... ومن ذا الذي يثني الغمام عن القطر

تناوله أبو الطيب والسري في وقت واحد وممدوحهما واحد فقال أبو الطيب في سيف الدولة:

وما ثناك كلام الناس عن كرم ... ومن يرد طريق العارض الهطل

وقال السري الموصلي فيه أيضًا:

هو الغمام فهل تثني صواعقه ... وهل تسد على شؤبوبه السبل

بعد أن ساق ابن رشيق هذه الأبيات اكتفى بتوجيه نقده بأنها مما يتفق فيه الشاعران في الأخذ من الشاعر الذي تقدمهما زمانًا وحفظهما في هذا الأخذ هو التوليد.

وبهذا يتضح أن أبا الطيب والسري الموصلي لم يكن لهما سوى التوليد من معنى حمزة بن بيض يمح الفيض بيته السابق: «ولائمة لامتك يا فيض في الندي ... الخ» .

والذي أراه أن بيت المتنبي لا يقل في قيمته الفنية عن بيت حمزة لأن المتنبي ابتدأ بنفي رد الممدوح من لدن لائمه في أسلوب الكرم, وأن هذا اللوم لم يصدر من واحد من الناس أو واحدة وإنما من الناس قريبهم وبعيدهم على حد قوله: «وما ثناك كلام الناس عن كرم» ..

غير أن تعبير المتنبي في شطر البيت من قوله: «ومن يرد طريق العارض الهطل» تعبير نقضت من معناه لفظة «العارض» لأن السحاب العارض ليس كالغمام عطاء ونفعا ًلعامل الكثيرة في هذا ونقصه في ذاك.

أما بيت السري الموصلي فأرى أنه دون بيت حمزة بن بيض, ودون بيت المتنبي للتعبير بلفظة «صواعقه» عن كثرة العطاء.

ومعلوم آن السحاب متى خالطه صوت الرعد وصدر عنه فلا يرجى منه المطر كما يرجى من السحاب الحامل بالماء من غير برق ورعد, وذلك لما لهذه الظواهر الطبيعية من أثر تبديد المطر.

ومن هنا يمكن القول: بأن طريقة ابن رشيق في تسديد مقياسه النقدي من خلال فن «التوليد» تسديد بخضع للعقل العاطفي - إن صحت العبارة -.

ومعلوم: أن العاطفة لا تصدر عن حكم أو رأي نقدي إلا وقد انساقت وراء العمل الأدبي لسبب من الأسباب أدناها تذوق النص.

والعاطفة والذوق كلاهما مقياس «تتفاوت درجاته حدة ورقة وشدة وضعفًا من إنسان إلى إنسان» .

(1) ترجم له صاحب الأغاني بما نصه: «حمزة بن بيض الحنفي شاعر إسلامي من شعراء الدولة الأموية خليع ماجن من فحول طبقته كان كالمتقطع إلى آل المهلب بن أبي صفرة وأولاده ثم إلى إبان بن الوليد وبلال أبي بردة واكتسب بالشعر من هؤلاء مات عظيمًا مات لم يدرك الدولة العباسية الأغاني لأبي الفرج جـ 16 ص 202 وما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت