الصفحة 60 من 141

وأفكار الأديب في إطاره من الشعر أو النثر, منها ما يكون مصدره العاطفة فيملي على الناقد رأيه من خلال ما يتوافق مع عاطفته و ذوقه.

ومنها ما يكون مصدره العقل في إنشاء القيم والمثل العليا.

فالعقل هو الذي يبحث وينقب ويفحص عن الأشياء, ويغوص في استكناه حقائق الحياة والأحياء, والبحث عن منشئها, وما يعتريها من العلل والآفات, وأسباب الصحة والسقم, والقوة والضعف, وما يترتب عليها من الغناء أو البقاء [1] .

وكلما ذكر الناقد مقياس «الإبداع والاختراع واتفاق الأخذ من هذا البديع المخترع فإنه يسبق إلى الذهن معنى التقليد ومعنى التولد» [2] ويبقى الحكم بالجودة والرداءة رهن العقل المتبصر, ورهن الذوق الرفيع السليم, ورهن الإنصاف فقد يكون المحتذي فوق درجة المبدع المخترع لزيادة في المعنى أو لحسن في الصياغة فما قصر الله المعارف الإنسانية على عصر دون عصر, ولا على فئة من الناس دون فئة ..

ولسوف توقفنا جهود ابن رشيق في عرض آرائه النقدية في القراضة وإصداره الحكم النقدي من خلال مقاييسه التي وازن بها بين نص شاعر وشاعر - ستوفقنا على كثير من الأحكام التي يكون مصدرها العقل حينًا أو العاطفة وتذوق النصوص حينًا آخر. وهذا ما سندرسه في الصفحات التالية.

وقفنا في الفصل الأول من هذه الدراسة, وفي النصف الأول من هذا الفصل على تتبع بعض المقاييس التي بنى عليها ابن رشيق من أصول مقاييسه النقدية, وعرضت الدراسة فيما مر ذكره لعدد كبير من الشواهد الشعرية التي قومها ابن رشيق من خلال آرائه ومقاييسه النقدية في القراضة. وجاء نقده للشعر الذي أورده نقدًا برصد خطي الشعراء ويدلل على المعاني التي يقتبسونها, والأساليب التي يتعاورونها, والأنماط التي يحتذي فيها بعض أثر بعض» [3] وجاءت أحكامه في أغلب الأحيان أحكامًا عامة تعتمد على النظرة الأولى في النص الأدبي من خلال بعض الخصائص الفنية التي يتميز بها هذا البيت عن هذا البيت.

ولذلك كثيرًا ما يقول: وقد زاد هذا الشاعر زيادة حسنة, وزاد هذا الشاعر زيادة أوجبت له الفضيلة والسبق, وزاد هذا الشاعر وأحسن ما شاء.

وعلى الرغم أنه غير خاف على ابن رشيق ما لعلاقة البيت الذي يورده بما قبله وبما بعده من صلة ذات خصوصية فنية سواء عن طريق ارتباط المعنى بسابقه أو لاحقه, أو عن طريق صلة الصورة المجسدة لهذا المعنى أو ذاك من صلة تؤلف بين الشاهد التي يعرض الشاعر معانيه من خلالها سواء كانت الصورة

(1) السرقات الأدبية ص 12, 13.

(2) المصدر السابق بتصرف.

(3) مناهج الدراسة الأدبية ص 136 د. شكري فيصل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت