الألفاظ يحدده حتى يورد نفس كلام الأول ومعناه حتى كأنه سمعه وقصد سرقته وإن لم يكن ممكن سمع قط يقول عن المناقضة:
«وأما ما يحكي عن الفرزدق وجرير في الجيمية, وإتمام الفرزدق كل بيت أنشد صدره بعجز ما قاله جرير سواء فإنما ذلك لمعرفته بطريقته ومنحاه في الشعر, وكذلك ما يحكي عنهما فيه الدالية المنصوبة, وقول كل واحد منهما كأنك بفلان قد قال كذا فأتى البيت المقول على ما قاله إنه يقال عليه إنما ذلك لأن المناقضة بينهما طالت حتى عرف كل واحد منهما مرمى صاحبه ومغزاه في المناقضة كأن المعنى يقتضي جوابًا ونقضًا لا يعدوه فهذه العلة فيما يجري بينهما من الموافقات التي وردت بها الأخبار وهي موافقات.
هذا ما ذكره ابن رشيق عن المناقضة وكيف يمكن أن ينظر من خلالها إلى العمل الأدبي بين شاعر وشاعر وخاصة من وقعت بينهما كجرير والفرزدق وفي كلام ابن رشيق ما يدل على التسامح حيث لا يعد هذا سارقًا من ذلك.
والذي أراه: «أنه يمكن الأخذ حتى يصل إلى درجة السرقة لكن الإلهام والطبع وإحكام الصنعة ما يبعد معنى ذاك عن هذا, وعليه متى أخذ المناقض من نده شعرًا فأحكم صياغته وجود معناه فليس بسارق وإنما هو محتذ مجود ومتى قصر في تناوله فإن هذا الاحتذاء سرقة واضحة لا تقل عن السلخ ذلك المقياس النقدي الذي تكلم عليه ابن رشيق في القراضة في الصفحة التاسعة, وفي الصفحة العشرين بعد المائة بما نصه:
«وزعم قوم أن عينية منصور النمري التي هي مذهبته سرقه من رجل نمري يقال له منصور بن بحره ذكر ذلك الأصناني, وأن أبا نواس سلخ معاني الوليد بن يزيد الخمرية وأدخلها في شعره وكررها على أن هذا أخف مما تقدم, وزعم إسحاق أنه كان يسلخ معاني أبي الهندي وطبقته. انتهى كلامه.
هذا المقياس النقدي الذي عده ابن رشيق من أنواع السرقة عالجه مخبرًا فقط. ولم يورد أي أدلة عليه ولم يناقش بعضًا من شواهده وما أكثرها وما أحسن لو ساق شيئًا من الشواهد التي تدل على سلخ المعنى. وخاصة أن بداية حديث ابن رشيق في القراضة كان يتناول الحكم بالإبداع والاختراع لبيتين من مرثية الأمير أبي منصور, وأن السرقة إنما هي فيما دون ذلك مما يقع فيه الكثير من الشعراء ما بين ناقل ومقلد ومحتذ وآخذ وعلى هذا الاتجاه بنى ابن رشيق موضوع القراضة.
وفي الصفحات 54, 82, 83, 84, 88, 92, 100 يتحدث ابن رشيق عن مقياس لطف الأخذ وخفيه والاتفاق في الأخذ قائلًا: «قلت - من البسيط:
يا بعد ما بين ممسانا ومصبحنا ... والعيس قاطعة ميلين في ميل
باتت على رسلها ترمي الفجاج بنا ... عنكم وعنا بكم أيدي المراسيل
سيرًا تزيد به ضعفًا مسافته ... كأنما هو سيرقد بالطول