وما ساقه ابن رشيق من رأي أبي عمرو إنما يدل على معنى «توارد الخواطر» وسنزيد هذا المقياس إيضاحًا في موضوع آخر إن شاء الله تعالى.
ثم ينتقل ابن رشيق إلى الحديث عن نوع آخر من أنواع السرقات يسميه:
السرقة المغتفرة, والسرقة الفاضحة ويسوق الشواهد على ذلك في الصفحات 95, 104, 105, قائلًا:
«والسرقة المغتفرة نظم المنثور, وهذا المقياس من أنواع السرقات سنتحدث عنه عند الكلام على مقياس نظم المنثور, ونثر المظلوم أما ما أوردة من الأشعار على هذا المقياس أعني «السرقة المغتفرة» فمنها ما صنع بشار بن برد عن لسان حمار مات له وزعم أنه أنشده إياها في النوم, وأن موته إنما كان من عشق حماره «أتان» قال بشار:
ولها خد أسيل ... مثل خد الشيقران
فقال محمد بن حجام لبشار: ما الشيقران يا أبا معاذ؟ قال هذا من غريب الحمار فإذا لقيته فاسأله عنه.
قال ابن رشيق: أخذ المعري وزاد فيه وحسنه فقال يذكر إبلًا:
تلون زبورا في الحنين منزلا ً ... عليهن فيه الصبر غير حلال
وأنشدن من شعر المطايا قصيدة ... فأودعنها في الشوق كل مقال
أمن قيل عود أم رواية ... أتتهن من عم لهن وخال
قال ابن رشيق: فقد صار المزح جدًا, وخرج عن بابه الأول حتى جل قدره وعظمته فائدته وكان أوله هزلًا. بل نقول إنه أخذه من قول الأول:
فغنها وهي لك غذاء ... إن غناء الإبل الحداء
وقالت امرأة لبشار: «أنت القائل»
وتحت ثيابي جسد ناحل ... لو هبت الريح به طارا
قال: نعم, قالت: «وأنت بهذا السمن كأنك تل» قال: «هذا ورم الحب يا بظراء» أخذه أبو الطيب فقال في سيف الدولة:
أعيدها نظرات منك صادقة ... أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم
هذه الشواهد مما ساقه ابن رشيق على السرقة المغتفرة, وهي من قبيل نظم المنثور, فإنه لم يهتد إليها أولئك الشعراء إلا من خلال أقوال نثرية أجيب بها عن سؤال سائل.
والذي يحسن أن نذكره في هذا المقام هو تسمية ابن رشيق لهذا النوع من الأخذ باسم «السرقة المغتفرة» .
فما وجه تسميتها بهذا الاسم؟ وما الذي سوغ للشعراء أخذها وكانت مما اغتفر أخذه؟