الآن معانيها صيغت في قالب النثر فصار أخذها مما يتجاوز عنه الشاعر لأن صياغة المعنى في قالب الشعر أصعب, وصياغته في نظم النثر وتأليفه أيسر أم لماذا؟
لا أجد مبررًا في تسمية هذا النوع من الأخذ باسم السرقة المغتفرة. لأن التعدي على معاني الأدباء سرقة مهما كانت وبأي لسان صيغت سواء بلسان الشعر أم بلسان النثر.
وما دام ابن رشيق سماه أخذًا فهو أخذ وكفى.
أما السرقة الفاضحة فهي إحدى المقاييس التي أوردها ابن رشيق في قراضته وساق الشواهد عليها في صفحتي 104, 105 قائلًا في نصه:
«ومن قبح الأخذ وفاضح السرقة قول ابن الرومي في رجز يصف فوارة: راجزًا. «بعين يقظى وبجيد ناعسة» .
فقال ابن المعتز من المنسرح يصف فوارة:
بعين يقظى وجيد ناعسة ... طال عليها الوقوف والسهر
وهو في زمانه وبلده واشتهاه غير خاف.
ومثله قول زهير بن جناب الكلبي [1] :
فيا دار سلمى هجت للعين عبرة ... فماء الهوى يرفض أو يترقرق
أخذه ذو الرمة فقال: «أدارا ًبحزوي» وأتى بالبيت على ساقه.
وقال زهير بن أبي سلمى:
تراه إذا ما جئته متهللًا ... كأنك معطيه الذي أنت سائله
قال ابن رشيق: «وهذا بيت مشهور غير مجهول ولا معمور أخذه حمزة بن بيض فقال:
تراه إذا ما جئت تطلبه الندى ... كأنك تعطيه الذي أنت سائله
قد قال البحتري:
أمواهب هاتيك أن أنواء ... هطل وأخذ ذلك أن إعطاء؟
فأجاد واختصر اللفظ. انتهى كلام ابن رشيق على قبح الأخذ أو ما يسميه السرقة الفاضحة.
ولا شك أن جميع أولئك الشعراء كلهم أخذ اللاحق من السابق أخذًا بينًا مكشوفًا لاحظ له فيه لأنه أخذ المعنى بعينه دون زيادة أو نقصان.
إلا ما ذكره ابن رشيق عن أخذ البحتري فعلى الرغم من أنه ساقه في عداد السرقة الفاضحة فقد قال عنه «أجاد واختصر اللفظ» .
(1) هو من بني كلب جاهلي قديم من المعمرين وأحد ثلاثة ماتوا بشرب الخمر له شعر جيد وردت أخباره في الجمحي والأغاني والمؤتلف وغيرها. انظر الشعر والشعراء ص 379 جـ 1.