الصفحة 75 من 141

ولا أرى وجها ًلهذه الجودة ولا للاختصار. لأن ما سبق قول البحتري من شعر ابن الرومي وشعر ابن المعتز كلاهما أجاد واختصر فيه ويكفي في إجادة المعنى سبقهما للبحتري, ويكفي في الاختصار أن بيت ابن الرومي من رجز القصيد, وبيت ابن المعتز من البحر المنسرح. وهذا البحر أقل لفظًا في نسق النظم وإن قام على ثلاث تفاعيل كالبحر الكامل.

ويبدو أن حكم ابن رشيق بالجودة والاختصار للبحتري إنما مرده الذوق ليس إلا.

وإذا كان من الحكم هنا مرده الذوق فإن بيت زهير بن أبي سلمى وبيت حمزة بين بيض من أجود ما قيل في معنى السماحة والكرم, بل إنهما أجزل وأعذب لفظًا وأحكم معنى من بيت البحتري مع ما لهما من السبق الزمني.

قال ابن رشيق: ومن ضرب السرقات «التلفيق» وهو: أن يميز الشاعر المعاني المتقاربة ويستخرج منها معنى مولدًا يكون له كالاختراع, وينظر به جميعًا فيكون وحده مقام جماعة من الشعراء وهو مما يدل على حذق الشاعر وفطنته ولم أر ذلك أكثر منه في شعر أبي الطيب وأبي العلاء فإنهما بلغا فيه كل غاية ولطفا في كل لطف.

وكان أبو الطيب أجمع الناس لكثير من المعاني في قليل من اللفظ وبذلك تقدم عند الفضلاء, وضرب المثل الذي ساد به أبو الطيب الشعراء ضرب من ذلك الإيجاز الذي فيه, وإذا تأملت قوله:

سقاك وحبانا بك الله إنما ... على العيس نور والخدود كمائمه

علمت أن بنية هذا الفضل غير متأت المثل وإن كان مأخوذ من قول ابن الرومي:

أمطر بذلك حياتي تكسه زهرا ... أنت المحيا برياه إذا نفحا

قال: وسأذكر شيئًا من شعر المعري يستدل به سامعه على أن الكلام من الكلام وإن خفيت طرقه وبعدت مناسبة فمن ذلك قوله:

وقال الوليد النبع ليس بمثمر ... وأخطأ سرب الوحش من ثمر النبع

يعني قول البحتري: «كالنبع عريان ما في عوده ثمر» .

قال: «وأراد بتخطئته أن الوحش يصاد بالقسي التي هي من النبع فكأنه ثمر لها» .

وإنما تناول قول أبي الطيب وعليه كان أكثر معوله:

محب كني بالبيض عن مرهفاته ... وبالحسن فهي أحسامهن عن الصقل

وبالسمر عن سمر القنا غير أنها ... جناها أحبائي وأطرافها رسلي

إلا أن أبا العلاء جعل الثمر وحشًا, وجعله أبو الطيب نساء.

قال: وكذلك قوله في صفة الإبل:

فمدت إلى مثل السماء رقابها ... وغبت قليلًا بين نسر وفرقد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت