وصف أنها وردت الماء ليلًا وهو أرزق صاف وفيه صور الكواكب فشربت بين مثالي هذين الكوكبين في الماء, وإنما أخذه من قول الأخطل يصف سمت إبل قصدته:
إذا طلع العبوق والنجم أولجت ... سوالفها بين السماكين والقلب
أراد طلع العيون والثريا يمت هذه الإبل ما بين السماكين والقلب فكأنهما وضعت سوالفها مغرية بينها. وهذا قول أبي حنيفة الدينوري. ولابن قتيبة قول آخر هو ذاك إلا أنه حاد به حيدة شيطان مثله.
انتهى كلام ابن رشيق على «التلفيق» هذا النوع الذي درسه ضمن أنواع السرقة.
والذي أراه حول هذا المقياس - أعني التلفيق - أن رأي ابن رشيق من قبيل الاجتهاد والاستنباط وحب التفريع في مسائل عند القدماء كما صنع غيره من النقاد الذين درسوا السرقات كأبي هلال العسكري وقدامه بن جعفر وغيرهما مما سنوضحه في فصل «الموازنات من هذه الدراسة» .
وإذا أمعنا النظر في مقياس التلفيق أمكن عده من أخذ المعنى والصفة أو من أخذ المعنى وأخذ بعض اللفظ. على هذا النحو الذي درسه ابن رشيق في هذين المقياسين.
ثانيًا: مقياس الإبداع والاختراع في القراضة:
بحث ابن رشيق هذا المقياس النقدي في الصفحات: 20, 22, 55 وناقش في ضوئه فتح المعاني للشعراء في الصفحات: 41, 43, 44, 45, 48.
ومعلوم أن قضية الإبداع والاختراع قضية نقدية كبرى عالجها النقاد من خلال نصوص من الشعر نصوص من النثر حتى ظن أغلبهم أن المعاني البديعة المخترعة لا يمكن أن يضاف إليها أو ينقص منها.
وهبت طائفة أخرى إلى إمكان تطوير المعنى الأدبي بزيادة أو نقص أو تعمق أو مبالغة.
ومن أجل ذلك فرعوا من هذا المقياس ما سموه بالمبالغة والإيغال والغلو وما سموه بالتوليد وهذا الأخير من المقاييس التي درسها ابن رشيق في قراضته وقد أشرت إليه في ص 56 من هذه الدراسة وأشرت إلى شواهده من شعر حمزة بن بيض والمتنبي.
والذي يعنينا هنا هو الكلام على مقياس الإبداع والاختراع من خلال ما درسه ابن رشيق.
فقد وضع في الصفحة العشرين من القراضة لمسة أولى تحدد مفهوم الإبداع والاختراع من قوله: «غير أن أهل التحصيل مجمعون من ذلك على أن السرقة إنما تقع في البديع النادر والخارج من العادة, وذلك في العبارات التي هي الألفاظ إلى أن يقول في الصفحة الثانية والعشرين حول قول أبي الطيب المتنبي: «أجل الظليم ودبقة السرحان» .
إنه أتى بالمعنى في غير اللفظ وزاد زيادة جيدة, وإن لم يبلغ صاحب الاختراع - يشير ابن رشيق إلى قول امرئ القيس في وصف فرسه: بمنجرد قيد الأوابد هيكل.