الصفحة 77 من 141

ومن هنا يقصر ابن رشيق الأخذ من خلال المعاني المخترعة على العبارات التي هي الألفاظ. أما المعنى فيبقى لمخترعه الأول, وهذا أمر معروف. لأن سرقة المعاني المخترعة سرقة فاضحة لا يستطيع محت إخفاءها مهما بلغ من قدرة التصرف في الأخذ.

وعلى الرغم من ذلك فإننا نجد المعنى الواحد يتناقله الشعراء جيلًا بعد جيل فيبدع ناقل, ويزيد ناقل, وينقص ناقل. الأمر الذي فتح للنقاد دراسة الأدب وبخاصة فن الشعر فيه دراسة وجدت مادتها العلمية من خلال المعاني المخترعة وقدرة التصرف من الشعراء الذين تناقلوا هذه المعاني.

فهذا ابن رشيق يحدثنا عن هذا المقياس بعد أن وضع له بعض اللمسات كما ذكرنا.

يقول في الصفحة الخامسة والخمسين من القراضة: «والمعاني التي يقال إنها اختراعات وأخذها سرقات. إنما هي المقاصد وترتيباتها والطرق إليها هي التي يسمي أخذها سرقة لا محالة كقول أبي نواس:

بنينا على كسرى سماء مدامة ... مكللة حافاتها بنجوم

فلو رد في كسرى بن ساسان روحه ... إذا لا صطفاني دون كل نديم

وقوله:

وكأني وما أزين منها ... قعدي يزين التحكيما

وكقوله أيضًا:

قد قلت للعباس معتذرًا ... عن ضعف شاكريه ومعترفا

أنت امرؤ قلدتني نعمًا ... أوهت قوى شكري فقد ضعف

فإليك مني اليوم معذرة ... جاءتك بالتصريح منكشفا

لا تسدين إلي عارفة ... حتى أقوم بشكر ما سلفا

وكقوله في صفة الكؤوس:

في كؤوس كأنهن نجوم ... دائرات بروجها أيدينا

طلعات مع السقاة علنا ... فإذا ما غربن يغربن فينا

قال ابن رشيق: فإن هذا وأشباهه مما انفرد به كل واحد من الشعراء وإن كان قليلًا .. إلى آخر ما قاله حول مقياس الإبداع والاختراع, وقد أشرت إلى هذا المقياس أثناء عرض موضوعات القراضة بما يكفي فلا أرى ما يدعو إلى المزيد [1] .

غير أني أرى من تمام القول حول مقياس الإبداع والاختراع إبداء ملحوظتين اثنتين في هذا المقام.

(1) انظر ص وما بعدها من هذا البحث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت