الأولى: تتعلق بهذه الشواهد التي تخيرها من شعر أبي نواس وجعلها في أول الكلام على المعاني البديعة المخترعة, وما كان أغناه عنها, لأن غيرها من جيد المنظوم والمنثور من كلام العرب خير منها في الإبداع والاختراع الذي يخدم معنى شريفًا ساميًا وغاية نبيلة.
وما تفضيله لأبيات أبي نواس - هنا - إلا لإعجابه بشيء من خصائصها الفنية التي تتضح من خلال لفظة عذبة أو تشبيه جيد, وأرى أن المعنى المبتكر كلما كان من معنى شريف غائي هادف فذلك من أجود الخصائص الفنية أيضًا.
أما الملحوظة الثانية, فقد أشرت أثناء عرض المقاييس النقدية مما يتعلق بإجادة الشاعر وعدمها في نقله المعنى من سابقه أن هناك من أسباب الإجادة ما يتعلق بالحالة النفسية عن الشعراء سواء كان الشاعر منهم مبتكرًا أو ناقلًا متبعًا, وأشرت إلى أنه من تمام القول بسط هذه المسألة وزيادتها إيضاحًا عند الكلام على مقياس الإبداع والاختراع فأقول:
لو توسع ابن رشيق في قراضته حول قضية الإبداع والاختراع, ودرس هذا المقياس النقدي الكبير من جزئياته الأولى ليقف على العوامل والأسباب التي تبعث على اختراع المعاني الأدبية عن الأديب السابق المخترع, والتي تعين على الوحدة والزيادة في المعنى عند الأديب اللاحق المحتذي نعم لو درس بيئة الأديب زمانًا ومكانًا, ودرس ما يسميه النقاد بالبناء الشعوري من عاطفة وخيال صورة لأضاف إلى حسن اختياره وسداد رأيه وسلامة ذوقه عملا ًكبيرًا يفتح للأدباء آفاقا ًواسعة للجودة والإبداع.
فليس كل تشابه في تناول المعنى بين شاعرين يعد من السرقة وإنما السرقة. كما قال الأمدي واتبعه ابن رشيق - إنما هي في البديع المخترع الذي يختص به الشاعر, لا في المعاني المشتركة بين الناس التي هي جارية في عاداتهم, ومستعملة في أمثالهم ومحاوراتهم, مما ترتفع الظنة فيه عن الذي بورده أن يقال: إنه أخذه من غيره» [1] .
وهذه النظرة فيما يتعلق بالإبداع والأخذ صائبة تدل على اعتدال في الحكم من أديب ناقد كالأمدي.
غير أن ابن رشيق على الرغم من إتباعه للأمدي في هذه النظرة - يكاد أن يجمل الحكم في الشواهد التي أوردها على الإبداع والإتباع فيجعل المعاني المشتركة في حكم المعاني المأخوذة.
هنا لا شيء لا بد من التنبيه عليه: وهو أن الإبداع يبقي لصاحبه وأن الإتباع في غير أخذ يبقى لصاحبه أيضًا - , لأن الإبداع قاسم مشترك في هذه الحالة بين الشاعرين السابق واللاحق, الشاعر اللاحق قد يبدع في معناه الذي استعان به بمعنى غيره.
فيكون أخذه استعانة لا سرقة شريطة أن يكون المعنى المتبع غير المعنى المبتدع.
(1) الموازنة للامدي جـ 1 ص 364 تحقيق أحد صقر.