الصفحة 79 من 141

ولا يعين على تقصي هذه القضية النقدية إلا الوقوف على حياة الشاعر وملابساتها زمانا ًومكانًا وعملًا أدبيًا - كما أسلفنا.

وقد عري كتاب القراضة لابن رشيق من هذه المسألة, فإن الشعراء الذين أورد ذكرهم وذكر أشعارهم لم يدرس حياتهم من جميع جوانبها وإنما اكتفى بذكر اسم الشاعر وإبراد شعره.

فكان لزامًا أن تبقى أحكام ابن رشيق ومقاييسه النقدية مثار جدل وأخذ ورد فليس الحكم بالجودة والإبداع في صحة هذه المقاييس لمعرفة أن هذا الشاعر مبدع لسبقه, وهذا متبع لتأخره.

ويتحدث ابن رشيق من خلال مقياس الإبداع والاختراع عن مقياس نقدي آخر سماه «فتح المعاني» .

أي أن الشاعر المبدع المخترع يفيد غيره في فتح المعاني ليسلكها أديب آخر محتذيًا أو مستعينًا.

ويمكن أن يدرج هذا المقياس تحت ما سماه النقاد بالاستعانة ولا جديد لابن رشيق في توليد هذا المقياس وعرضه وعرض شواهده من خلال اختراع المعاني واحتذائها.

ومن شواهد هذا المقياس عند ابن رشيق ما أورده من شعر امرئ القيس قائلًا: «ومما فتحه للناس وأغلقه دونهم قوله:

ألم ترياني كلما جئت طارقًا ... وجدت بها طيبًا وإن لم تطيب

قال: ومن بدعه وملحه قوله:

نزيف إذا لوجه تمايلت ... تراشي الصورا [1] الرخص إلا تخترا [2]

قال أخذه طرفة فقال:

تحسب اللحظ عليها نجدة ... يا لقومي للشباب المبكر

وعن فتح المعاني يقوا ابن رشيق: «وما زلنا نناشد قول ابن هاني» :

إذا ذكرته النفس جاشت لذكره ... كما عثر الساقي بكأس من الخمر

فسنلمحه ونظن أنه ابتكره إلى أن فكرت في قول امرئ القيس:

إذا نال منها نظرة ريع قلبه ... كما ذعرت كأس الصبوح المخمرا

فعلمت أنه هو الذي فتح له هذا المعنى, وإن لم يكن المعنيان سواء: قال: والشاعر يورد لفظًا فيفتح به لصاحبه معنى سواه لو لا لم ينفتح كقول الفرزدق:

وما أنا بالباقي ولا الدهر فاعلمي ... براض بما قد كان أذهب من عقلي

أراد ولا الدهر براض فقوله في نسق الكلام: «وما أنا بالباقي ولا الدهر» هو الذي فتح للبحتري قوله للفلك:

ستفنى مثل ما تفني وتبلي ... كما نبلى فيدرك منك ثارة

(1) الصوار بفتح الصاد وضمها: الرائحة الطيبة, والقليل من المسك, وشدقا الفم. الأغاني مادة صور.

(2) التختر: التفتر والاسترخاء, لسان العرب مادة ختر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت