الصفحة 84 من 141

قال ابن رشيق سئل الأعشى عن هذا المعنى فقال شربتها جمراء وبلتها بيضا فتناول ابن المعتز هذا المعنى وليته لم يفعل فقال:

ولا يزال وكأس الشرب دائرة ... يبول همًا ويحسو اللهو والطربا

غير أنه جاء هجين اللفظ بلا الاستعارة لا سيما وقد وقع الحسو بعد البول, وأين هذا من قوله:

لم ترد ماء وجهه العين إلا ... شرقت قبل ريها برقيب

سبحان من بنى الإنسان على النقصان ولم يعط أحدًا من خلقه الكمال.

ونقول هنا: إن نقد ابن رشيق لهذه الشواهد من خلال مقياس الصنعة والتكلف نقد صائب قوامه الذوق الرفيع.

فألفاظ هؤلاء الشعراء ألفاظ مرذولة ومعانيهم معاني ساقطة تلك عاقبة الإفراد والتكلف وما أصدق أبي هلال العسكري:

«فمن أراغ معنى شريفًا تخير له لفظًا كريمًا فحق المعنى الشريف في اللفظ الكريم [1] والمعاني أرواح والألفاظ أجساد» [2] .

فانظر إلى أي حد بلغ هؤلاء الشعراء بمعانيهم وألفاظهم من الرذيلة التي أسلمتهم إلى التكلف وقبح الصنعة.

ولو تخير ابن رشيق من شواهد الشعر في هذه المعاني شواهد أخرى لكان أحسن إجادة وإفادة, ولا شك أن حسن الاختيار فن أدبي قوامه الذوق السليم. فهلا صنع ابن رشيق صنيع أبي هلال العسكري في مختاراته التي زخر بها كتابه ديوان المعاني, ذلك السفر النفيس الذي حوى من المعاني دررها حتى ولو كان العرض الشعري في الخمرة وما يتبعها ولذلك نرى حكم أبي هلال على هذه المعاني وأشباهها منطلقة من النظرة في جزئيات البيت من الشعر كقوله: «ومن رقيق المعاني في صفة الخمر قول الأعشى: تريك القذى من دونها وهي دونه ..

وقوله: وأحسن ما قيل في الشروق وأتمه قول ابن الرومي, وأتى بشيء لم يسبق إليه وهو تشبيه الحباب بغلق اللؤلؤ .. » [3] .

لها صريح كأنه ذهب ... ورغوة كاللآلئ الغلق

وتحت مقياس الصنعة والتكلف درس ابن رشيق نظم المنثور ونثر المنظور والأوزان والقوافي.

ولا جديد له في هذه المقاييس فقد وسعها درسًا نقاد آخرون كأبي هلال وابن الأثير وغيرهما. ولا أرى ما هو جدير بالذكر مما أورده حول هذه المقاييس.

(1) الصناعتين لأبي هلال العسكري ص 140 نقلًا من الأصل من صحيفة بشر ين المعتر.

(2) المصدر السابق ص 167.

(3) ديوان المعاني جـ 1 ص 305 لأبي هلال العسكري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت