سادسًا: ما يحصره التاريخ وتقيده الأزمنة:
وهذا من أجود المقاييس النقدية التي درسها ابن رشيق في القراضة الرغم من إيجازه مناقشة هذا المعيار النقدي وقلة شواهده فلم يشغل من القراضة سوى ثلاث صفحات وفي ذلك يقول: «ولا بد ها هنا من نبذ أذكرها من اتفاق الشاعرين المتعاصرين على بعد ما بينهما إذا اتفق موصوفهما أو تقاربا كقول أبي سعيد الرستمي في دار بناها الصاحب بن عباد:
متى ترها خلت السماء سرادقًا ... عليها وأعلام النجوم تماثلا
وقول أبي القاسم بن هاني في جعفر بن علي بالمغرب:
فكأنما ضرب السماء سردقا ... بالزاب أو رفع النجوم قبابا
فقد اتفقا لا محالة لأنهما متعاصران, وابن هاني أقدمهما على كل حال. وكثيرًا ما أورد أبيا الحسن التهامي حتى أتهم نفسي فيما أعلم ويعمل الناس أني قد سبقته إليه علم ضرورة ويحصره التاريخ إلا أن المشرق فضيلة ومزية. ومثل هذا ما جرى لعلي التونسي الأيادي فإنه قال قصيدته:
جادتك صادقة المخائل ... طوع الجنائب والشمائل
مرهاء [1] دانية الرباب ... تكاد تلمس بالأنامل
يخاطب بها أبا القاسم عبدالله وابنه إسماعيل ويخصه على الخروج من حصار المهدية إلى قتال أبي يزيد وهي مشهورة بالمغرب.
وقال السري بن أحمد الموصلي يمدح أبا الحسن أحمد بن إبراهيم بن فهد:
جاءت مولعة الكواهل ... تختال صادقة المخائل
كحلاء حالية بكت ... حي انتهت مرهاء عاطل
وهذا وإن لم يكن وفاقًا وما أراه فهو استضعاف بحقه. وقد روت الرواة من أهل الشام قصيدته:
صولج لا مين من عذارين ... في ذهبين جوهريين
أبي الفرج الوأواء فذهب بها بأسرها, ولا يرويها مغربي إلا لعلي التونسي. والمتأخر بالأخذ من المقدم أولي بالأخذ من المتأخر, إلا أن عليا ًالتونسي وإن كان أقدم فقد عمر عمرًا طويلًا حتى عاصر هذين الرجلين, لأنه أدرك المعز وامتدحه بها وكان قد تخلف عنه بالقيروان, وخرج في البحر يريده فأسر ببلاد الروم ثم تخلص إليه.
ومما يحصره التاريخ من السرقات وتقيده الأزمنة قول أبي العيناء [2] في المتوكل:
(1) مرهاء: المرء بفتح الميم والراء وضم إليها السحاب الأبيض الذي لا سواد فيه والمرهة حفيرة يجتمع فيها الماء. لسان العرب مادة مره.
(2) أبو العيناء محمد بن القاسم من خلاد بن ياسر الهاشمي بالولاء أديب فصيح اشتهر بنوادره ولطائفه كان ذكيًا حسن الشعر مليح الكتابة والترسل أصله من اليمامة ومولده بالأمراز ووفاته في البصرة ترحم له ابن خلكان وابن الوردي والمرزياني والنويري والزركلي وغيرهم.