قالوا امتدحت الملك قلت لهم ... أخاف أن لا أحده بصفة
وكيف يعطي على المدائح من ... كان أبو السمط عند طرفة
كأن إنشادنا مدائحه ... أنصاف كتب ليست بمؤتلفة
أخذه من حبيب لا محالة, وكان أبو العيناء أسن لأنه قال في المتوكل.
وقول حبيب:
عذلًا شبيهًا بالجنون كأنما ... قرأت به الورهاء شطر كتاب
في قصيدة يمدح بها مالك بن طوق في أيام المعتصم أو الواثق فلولا هذا التوقيف لقضي أن حبيبًا أخذه من أبي العيناء.
سابعًا: مقياس الذوق وطبع الفطرة:
وهذا المقياس في القراضة جاء عرضًا لم يعتمد فيه ابن رشيق على شيء من شواهد الشعر أو النثر.
وما كان أجود منهجه لو درس هذا المقياس النقدي وفق نماذج من الشعر لعد من الشعراء وناقشه من خلال الموازنة بين النصوص, لأن مثل هذا المقياس لا تبين جدوا في تقويم الأعمال الأدبية إلا من خلال الموازنات الأدبية بين كلام شاعر وشاعر, وكلام كاتب وكاتب, وكلام خطيب وخطيب.
ويكفي أن ابن رشيق جعل الذوق الرفيع وطبع الفطرة حجة شاهدة بينة واضحة لا تدركها شبهة إذا قصد الإنسان العدل وترك التعصب [1] انتهى ما ورده عن هذا المقياس.
وإذا كان مقياس الذوق السليم وطبع الفطرة مع قصد الاعتدال في الحكم وترك التعصب من أهم مقاييس النقد في حدود الاعتدال فإن ابن رشيق قد وقع في هذا العيب حيث بأن تعصبه لشعر امرئ القيس الذي لم يناقش مقياسًا واحدًا من مقاييس النقد في القراضة إلا في ضوء أشعار امرئ القيس في مختلف أغراض شعره.
حتى كادت هذه المقاييس أن تدخل في إطار الموازنات الأدبية بين شعر امرئ القيس وغيره من الشعراء ممن سبقه وممن جاء بعده.
وخلاصة القول في مقاييس النقد عند ابن رشيق في القراضة أنها مقاييس نقدية كبرى قوم بها ابن رشيق طائفة كبيرة من أقوال الشعراء, ولم تكن بحثًا خاصًا بالسرقات الأدبية ومزج بها روح البلاغة وبروح النقد, ولك يكتف بالنظرة الجزئية العابرة بل قوم هذا البيت وفق ما فيه من مساوي.
وجعل فنون البلاغة من بيان ومعاني وبديع أثرًا كبيرًا في تقوم هذه الأعمال الأدبية التي ساقها في قراضته.
(1) القراضة ص 21.