الصفحة 96 من 141

ويورد ابن رشيق طائفة من الشواهد صنيع الإمام ثعلب منوهًا عن حسن الاستعارة وتأثيرها في جلاء المعنى عند الشاعر كقوله في هذا الباب: «وأول ما أبدأ به من ذلك ما كان من جهة الاستعارة كقوله - يعني امرأ القيس: «بمنجرد قيد الأوابد هيكل» .

قال: «فإنه أول من قيدها, سبق إلى الاستعارة البديعة فاتبعه الناس» .

ويمضي ابن رشيق في سرد شواهد الاستعارة فيذكر قول امرئ القيس الذي استشهد به ثعلب في صفة الليل من قوله السابق:

فقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف إعجازًا وناء بكلكل

قال ابن رشيق: فاستعار لليل صلبًا وإعجازًا, وجعله كالجمل البارك [1] .

ومما نلحظه على ابن رشيق في القراضة إنه لم يذكر من أفاد منهم من البلاغيين والنقاد سواء من سبقه أو من عاصره.

ويتفق ابن رشيق مع ثعلب في مسائل بلاغية أخرى كفن «المبالغة» الذي سماء ثعلب «الإفراط في الإغراق» ودرسه ابن رشيق في القراضة تحت «المبالغة» والتتبع والتتميم والاحتراس.

فقال: ومن باب المبالغة قول امرئ القيس يصف حلي امرأة:

كأن لباتها جمر مصطل ... أصاب غضًا جزلًا وكف بأجزال

ومن مبالغاته قوله في التتميم والاحتراس:

مأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجوع الذي لم يثقب

قال فتناوله زهير قائلًا:

كأن فتات العهن في كل منزل ... نزلن به حب الغنا لم يحطم

وهو كثير في شعر امرئ القيس ويسمي أصحاب البديع ما كان مخصوصًا من هذا النوع بالقافية «الإيغال والتتبيع» وما كان من أضعاف البيت «المبالغة والتتميم» إلى آخر ما ذكره حول هذا الفن متأثرًا بنظرة ثعلب وموردًا بعض شواهده.

ومن الفنون التي أفادها ابن رشيق من الإمام ثعلب ما سماء «مجتورة الأضداد» وسماه ابن رشيق «المطابقة» كغيره من البلاغيين من مثل ابن المعتز وغيره.

وساق شواهد هذا الفن على النحو الذي فصلنا القول فيه في الفصل الأول والفصل الثاني من هذه الدراسة.

والخلاصة أنه بين ابن رشيق والإمام ثعلب تشابه كبير في تناول هذه الفنون ودراستها واستخلاص أسرار الجمال في التعابير الأدبية من خلالها.

(1) القراضة ص 21, 22.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت