يقول في القراضة في معرض الحديث عن هذه المقاييس: «الشعر. أسعدك الله. كلام منظوم بائن عن المنثور الذي يستعمله الناس في مخاطباتهم بما خص من النظم الذي إن عدل عن نهجه مجته السماع, وفسد الذوق.
ونظمه معلوم محدود فمن صح طبعه وذوقه لم يحتج إلى الاستعانة على نظم الشعر بالعروض التي هي ميزانه, ومن اضطراب عليه الذوق لم يستغن من تصحيحه وتقويمه بمعرفة العروض والحذق به حتى تعتبر معرفته المستفادة كالطبع الذي لا تكلف معه.
وللشعر أدوات يجب أعدادها قبل مراسه وتكلف نظمه منها:
التوسع في علم اللغة والبراعة في فهم الإعراب, والرواية لفنون الأدب والمعرفة بأيام الناس وأنسابهم ومناقبهم ومثالبهم» [1] .
وفي معرض الحديث عن هذه المقاييس في القراضة يقول ابن رشيق: «وأنا أقتصر من جميع الشعراء في أكثر ما أورده على امرئ القيس لأنه المقدم لا محالة, والمميز الحاذق بطريق البلاغة يجد لكلامه من الفضيلة في نفسه ما لا يجد لغيره من كلام الشعراء والبحث والتفتيش يزينانه جلاله, ويوجبان له على ما سواه مزية ويشهد الطبع وذوق الفطرة لذلك شهادة بينة واضحة لا تدركها شبهة إذا قصد الإنسان العذب وترك العصب» [2] .
فذكر الذوق وطبع الفطرة وأثر ذلك على تمييز الشعر الجيد من الردئ، وأثر ذلك في طريقة نظم الشاعر بيته تناوله ومعانيه.
قال:"ولا بد ها هنا من نبذ أذكرها من اتفاق الشاعرين المتعاصرين على بعد ما بينهما إذا اتفق موصوفها."
قال: ومما يحصره التاريخ وتقيده الأزمنة من السرقات قول أبي العيناء في المتوكل:
قالوا امتدحت الإمام قلت لهم ... أخاف أن لا أحده يصفه
وكيف يعطي على المدائح من ... كان أبو السمط عنده طرفة
كأن إنشادنا مدائحه ... أنصاف كتب ليس بمؤتلفة
أخذه من حبيب لا محالة وكان أبو العيناء أسن منه .. [3]
فهناك تحدث ابن رشيق عن التاريخ وما تقيده الأزمنة, وتلك نظرة ابن طباطبا الذي جعل من أدوات الشعر «معرفة أيام الناس وأنسابهم ومناقبهم ومثالبهم, وأن هذه المعرفة هي معرفة التاريخ, لأنه يرصد حركات البشر في سلمهم وحربهم وصلاة بعضهم ببعض, ويسجل مآثرهم وما يحمد لهم وما يمدحون
(1) عيار الشعر لابن طباطبا ص 3 وما بعدها.
(2) القراضة ص 20, 21.
(3) القراضة ص 100, 103.