المعاش والمعاد، فمن عطل العمل اتكالًا على القدر السابق فهو بمنزلة من عطل الأكل والشرب والحركة في المعاش وسائر أسبابه اتكالًا على ما قدر له، وقد فطر الله سبحانه عباده على الحرص على الأسباب التي بها مرام معاشهم ومصالحهم الدنيوية، بل فطر الله على ذلك سائر الحيوانات ..
فالقدر السابق معين على الأعمال وما يحث عليها ومقتض لها، لا أنه مناف لها. وصاد عنها ... فالنبي - صلى الله عليه وسلم - أرشد الأمة في القدر إلى أمرين هما سببا السعادة: الإيمان بالأقدار فإنه نظام التوحيد، والإتيان بالأسباب التي توصل إلى خيره وتحجز عن شره وذلك نظم الشرع" [1] ."
وبعد، فإننا نقدم هذا الكتاب لطلابنا ومثقفينا إسهامًا منا في إقناعهم بأن من حقنا وواجبنا الاستمساك بتراثنا الثقافي ذي النظام التشريعي والأخلاقي المتميز بحيث يغنينا عن الدوران في فلك أي نظام ثقافي آخر، غربيًا كان أو شرقيًا.
وإذا كان الفكر الفلسفي قد أصاب النظام الأخلاقي بما يشبه الفوضى، فإن نظامنا الأخلاقي ما زال في قمته لأنه مستمد من الوحي الإلهي، وشرح تفاصيله علماؤنا وحكماؤها عن دراية وفهم. ونقلوه إلينا عبر الأجيال.
صحيح أننا لم نعد نعبر عنه في أوضاعنا العامة - اللهم إلا القلة منا - ولكنه يظل مرتفعًا شامخًا لكي يساعدنا على قياس مدى انحدارنا عنه ويظل حافزًا للارتقاء إليه. ومن الحق أيضًا القول في النهاية بأن اقتحام الغرب العسكري والاقتصادي والسياسي والثقافي لأمتنا قد أسهم إسهامًا كبيرًا في تدهورنا.
والله تعالى المسئول أن يأخذ بأيدينا إلى ما يحب ويرضى من مكارم الأخلاق ومعاليها.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
(1) شفاء العليل، ص 26.