ولكن المؤكد أن المسلمين الأوائل وفي العصور الزاهرة كانوا يعملون ويجتهدون تحت مظلة الإيمان بالقدر، ولم يمنعهم هذا الإيمان من السعي والنشاط، وما توقفت حركة الحضارة الإسلامية إلا في ظل الاعتقاد المنحرف الذي أدى بهم إلى الجبرية المعطلة عن العمل، والبحث والسير قدمًا نحو الأفضل والأرقى.
وهنا نحن نوضح المسألة بالاسترشاد بفهم السلف، فإن تاريخنا لا يعني فقط قرونًا مضت وانقضت، ولكنه يحمل في طياته النموذج الذي تحقق في عصر الرسول - صلى الله عليه وسلم -، والخلفاء الراشدين ومن تبعهم، هذا النموذج يظل حيًا شامخًا أيضًا في جانبيه التشريعي والأخلاقي.
وكان الصحابة - رضي الله عنهم - على وعي كامل بالأحاديث التي قيلت لهم في هذا الصدد بحيث فهموا منها أن"القدر السابق لا يمنع العمل ولا يوجب الاتكال عليه بل يوجب الجد والاجتهاد، ولهذا لما سمع بعض الصحابة ذلك الحديث الخاص بالقدر قال: ما كنت أشد اجتهادًا منى الآن، وهذا مما يدل على جلالة فقه الصحابة ودقة أفهامهم وصحة علومهم" [1] .
ويضرب ابن القيم الأمثلة على أن سعي الإنسان إلى تحقيق أغراضه في الدنيا لا يتم إلا بالسعي والاجتهاد في العمل: كطلاب العلم، والمتطلع إلى تكثير النسل بالزواج، والباحث عن زيادة الزرع بالغرس والعناية والحصد إلى غير ذلك من أعمال الإنسان العادية التي يسعى بإرادته لتحقيقها كالأكل والشرب واللبس وغيرها، إلى أن يختم كل ذلك بقوله"وهذا شأن أمور"
(1) شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والتعليل: ابن القيم ص 25، مكتبة الرياض الحديثة- مصورة عن طبعة الخانجي 1323 هـ.
أما الحديث فقد أوردنا نصه بالكتاب عند عرض آراء ابن القيم، ولا بأس من ذكر بعض ألفاظه هنا للاستئناس حيث قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -"ما من نفس منفوسة إلا كتب مكانها من الجنة أو النار وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة، فقال رجل يا رسول الله: أفلا نتكل وندع العمل .. قال الرسول - صلى الله عليه وسلم: اعملوا فكل ميسر لما خلق له .. ثم قرأ: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} [الليل: 5 - 10] ."