الصفحة 9 من 253

وهذا من أحسن الكلام وأعدله وأفضله، حيث يشرع العدل فقال: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى: 40] ، ثم ندب إلى الفضل فقال: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [الشورى: 40] [1] .

فهذا أحسن شرع وأجمله، يرغب في الصبر والعفو والإصلاح بغاية الترغيب ويذكر ما فيه من الفضائل والمحاسن وحميد العاقبة، ويرفع عن المنتصف من ظلمه الملام والعذل، ويبين أنه لا حرج عليه ولا سبيل إذا انتصر بعد ما ظلم [2] .

وإن كانت العقيدة للمسلم بمثابة الجذور للشجرة فإن الثمار هي الأخلاق وسياجها الشريعة التي تحيط هذه الأخلاق الفاضلة فتمنع عنها الريح العاصفة وتهيئ لها النمو والوفرة، ومن ثم فإننا لا نتصور أن تزكو الأخلاق بالمفهوم الإسلامي وسط أحراش من القوانين الوضعية التي قد تعرقل جهود المسلم نحو سلوك الحد الأدنى للرقى الأخلاقي، ونعنى بذلك الالتزام بالحلال والانتهاء عن الحرام، بينما تحيط به قوانين تبيح شرب الخمر وصناعته ولا تحرم الزنا وتقنن التعامل بالربا وغير ذلك من"كبائر"في شريعة الإسلام.

3 -الإيمان بالقدر في الإسلام لا يتنافى مع إطلاق حرية الإنسان في العمل والسلوك:

ونأتي إلى أهم عامل له صلة وثيقة بالمشكلة الأخلاقية وهي إطلاق الحرية للإرادة وتحميل الإنسان المسئولية عن أفعاله حيث التبس الأمر بين الإيمان بالقدر وبين الاعتقاد في حرية الإنسان ومسئوليته عن أفعاله. حدث هذا بين المسلمين أنفسهم فظهرت فرقة تسمى بـ (الجبرية) ، وربما امتدت العدوى إلى غيرها من المسلمين - لا سيما في العصور الأخيرة عندما فشى الجهل بعقائد الإسلام الصحيحة إلا بين القلائل الذين لا يخلو منهم عصر من العصور.

(1) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح: ابن تيمية- ج 3 ص 229 - 230 مطبعة مدني بدون تاريخ.

(2) نفسه ص 257،258.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت