الصفحة 110 من 253

ومع ذلك فإنا علينا أن نوضح أن الصراع في الغرب حول فصل الدين عن مجالات النشاط الإنساني ومقوماته في مجالات العلم والأخلاق والاقتصاد والسياسة وغيرها كان له ظروف وأوضاع خاصة بأوروبا نفسها دون غيرها، إذ كان لرجال الدين هناك"سلطات هائلة في رعاية الحاجات الدينية للناس وهم الذين يؤدون الشعائر وينظمون العبادة ويوجهون حياة الناس، فإلى أين سار هذا التوجيه؟ لقد سار نحو دعم نفوذ الكنيسة ذاتها. فرجالها قد كدسوا ثروات هائلة، وكان لهم نفوذ سياسي كبير، وفي معظم الأحيان كانوا يتحالفون مع النبلاء والإقطاعيين ويشجعونهم على الاستمرار في استبدادهم [1] وربما كان هذا هو السبب الذي أدى بأوجست كونت إلى القول بأن الديانة المسيحية قد انقضى زمنها، ولابد من الاستعاضة عنها بديانة أخرى، وهي الفكرة التي صحبت الجمهورية الفرنسية الثالثة التي فصلت بين الدين والدولة، ومن ثم فقد اعتقد أنه تم تحلل أجزاء الديانات من الوجهة العقلية - أي لا تصمد أمام النظر العقلي. ولكن مرد الخطأ هنا أنه إذا كانت هذه الظاهرة صادقة"فيما يتعلق بالديانة المسيحية في أوروبا فهي ليست كذلك بحال فيما يتعلق بتاريخ التفكير الإسلامي" [2] ."

ولكن الأمر يختلف اختلافًا تامًا بالنسبة للمسلمين، فقد شيدوا صرح حضارتهم، وأقاموا تلك الدولة العظيمة"التي امتدت على عجل من الأندلس إلى قرب القارة الآسيوية مارة بشمال أفريقية كله" [3] وذلك بناء على فهمهم الصحيح للإسلام، واتباعهم لمنهج أسلافهم في الفهم والتطبيق. فالإسلام ليس مظهر كهنوتية، ولا حياة منعزلة عن الواقع تبغي الفرار منه بل هو نظام كامل للحياة يوجه الإنسان لكي يحقق كمالاته التي استحق بها مقام الخلافة - أي يحصل

(1) الإنسان والحضارة في العصر الصناعي، د. فؤاد زكريا ص 75 الناشر مركز كتب الشرق الأوسط مايو 1957.

(2) الأخلاق وعلم العادات الأخلاقية: ليفي بريل - ترجمة - د. محمود قاسم وهو رأيه بتعليقة رقم 1 ص 338 ط الحلبي 1373 هـ- 1953 م.

(3) سر تطور الأمم، جوستاف لوبون ص 108 - ترجمة أحمد فتحي زغلول باشا مطبعة المعارف بمصر 1331 هـ- 1913 م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت