إن أول مسألة تواجهنا في دراسة الأخلاق هي معرفة الفرق بين الإرادة الخلقية والإرادة الطبيعية، فإن أفعال الإنسان وسلوكه منها ما هو صادر عن دوافع طبيعية غريزية بحتة شأنه فيها شأن الحيوان، ومنها ما يخضع للقوانين والمبادئ والقواعد"إن الحياة الإنسانية الصحيحة لا تبدأ إلا من حيث تنتهي الحياة الحيوانية الصرفة" [1] .
كما يواجهنا أيضًا النظر في القيم أو المبادئ الخلقية أو المثل العليا.
أي على وجه الإجمال، نحن في دراستنا للأخلاق نقف وجهًا لوجه أمام الإنسان الذي يخوض تجربة الحياة الابتدائية بكل ما فيها من خير وشر، ونحاول أن نتعرف على مدى قدرته على اجتياز هذا الطريق أو ذاك.
وهنا نجد قدرًا كبيرًا من الاتفاق على أن المبادئ الخلقية والمثل العليا قد حازت في تاريخ الإنسانية الطويل على قدر ثابت من التأييد. فقد غرس الله تعالى فينا بصائر أخلاقية فطرية، إذ مهما بلغت درجة الانحراف والفساد اللذين قد نسقط فيهما وفيما عدا حالات استثنائية خاصة بضلال الضمير، فإننا نعترف ونحب ونقدر الفضيلة في ذاتها وفي غيرها حتى إن أعوزتنا الشجاعة للارتفاع إلى مستواها [2] .
والذي ظهر من دراسة علماء النفس في بحوثهم في سيكولوجية الشعوب أن الأحكام التقديرية التي يطالب بها الدين. كما ظهرت في العرف والتقاليد الاجتماعية [3] .
كذلك كشفت الدراسات الأنثروبولوجية الحديثة أن تاريخ الحضارة البشرية مليء بالشرائع الأخلاقية وأنها تتقارب تقاربًا شديدًا [4] ، وحتى إذا افترضنا وجود اختلافات بينها فإنه ليس
(1) المشكلة الخلقية: زكريا إبراهيم. ص 33 مكتبة مصر الفجالة سنة 1969 م.
(2) مدخل إلى دراسة القرآن الكريم. د. دراز ص 89 ترجمة محمد عبد العظيم علي- مراجعة د. السيد بدوي دار القرآن الكريم- دار القلم بالكويت 1391 هـ- 1971 م.
(3) مدخل لدراسة الفلسفة: جوتييه ص 91.
(4) المشكلة الخلقية: زكريا إبراهيم. ص 62.