كانت الحضارة الأوروبية وفلسفتها ونظمها منسجمة من حيث الأصول المستمدة منها، وانحسر الدين داخل الكنائس يعالج شئون الروح. وعندما عاد أهل أوروبا في العصر الحاضر من الإغريق في المادية وأعجزتهم المشكلات الدنيوية، بدأ البحث في الأديان واللجوء إلى بيوت العبادة [1] .
أما الإسلام باعتباره الحلقة الأخيرة الكاملة لدين الله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3] ، فإنه بهذه الصفة جاء لينظم - وبصفة كاملة ونهائية - مسلك الإنسان في الحياة الدنيا المتجه إلى الآخرة بالضرورة، فكان الانسجام في الحياة النفسية لدى المسلمين، ولهذا لا نعثر في صفحات التاريخ على مشكلات وأزمات نفسية وعصبية وأخلاقية عانى منها المسلمون بالصورة التي يضج منها الغرب الآن بالشكوى ذلك لأن نظم الإسلام في عباداته وشرائعه ومبادئه قد خطت أحسن الطرق للإنسان باعتبارين:
الأول: أن طبيعة الإنسان تجمع بين الجسد والروح.
والثاني: الحياة الإنسانية ممتدة من الدنيا إلى الآخرة.
إن الأمراض النفسية المعاصرة إذن ومظاهر الانحدار الخلقي وافدة ضمن ما وفد من الغرب أي مع أساليبه ونظمه في المذاهب والفلسفات والحياة الاجتماعية والسياسية.
(1) مثال ذلك ما ذكرته وكالة الأنباء الفرنسية في تقرير لها يوم 8/ 1/84 من موسكو، أن الكنائس الأرثوذكسية في العاصمة السوفيتية شهدت ازدحامًا شديدًا لحضور قداس عيد الميلاد الذي احتفل به ليلة 6، 7 يناير وهو ما فسره المراقبون بأنه دليل على استمرار وتجدد الشعور الديني هناك رغم ازدياد الدعاية للإلحاد وضغوط الحكومة على السلطات الدينية في الآونة الأخيرة (جريدة الأهرام ص 4 يوم 9/ 1/1974) .
وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي عادت الكنيسة لتأدية دورها وتثبيت قدمها كعامل مهم في التطورات السياسية لا سيما في أحداث الاصطدام الأخير بين الرئيس الروسي والبرلمان إذ تدخل البطريرك إليكس الثاني للتوفيق بينهما. هذا، وقد تابع العالم باهتمام ودهشة انحناء الرئيس واحترامه للبطريرك، بالرغم من أن الرئيس كان عضوًا في الحزب الشيوعي لمدة عشرين سنة. مع العلم بأن بطريرك الكنيسة الأرثوذكسية الروسية يعد صاحب أعلى منصب ديني للكنيسة الشرقية، مقابل بابا الفاتيكان. ينظر مجلة (أكتوبر- العدد 885) .
23 ربيع الثاني 1414 هـ- 0 1 أكتوبر 1993 م ص 29.