لذلك فإننا نلحظ أن المنهج الذي اتبعه علماء المسلمين يتصل بالتصور الصحيح لحقيقة الإنسان ودورته في الحياة المبتدئة بخلق آدم - عليه السلام -، ثم إهباطه إلى الأرض ابتلاء واختبارًا، ومصاحبته مع شريعة الله تعالى التزامًا بأوامرها وتنفيذًا لأحكامها، وارتفاعًا بمستواها الإنساني إلى العمل بمكارمها [1] حتى ينتقل من هذه الحياة الدنيا إلى الحياة الآخرة ويعود أدراجه إلى موطنه الأصلي - إذا اجتاز الابتلاء الدنيوي بنجاح - أي إلى الجنة.
وينبغي علينا الاحتراز من التعبيرات التي تتردد في كتب الأخلاق عند الحديث عن"التخلق بأخلاق الله تعالى"، حيث تلتبس على الكثيرين، والصحيح أن الحديث المروي عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - نصه"لله تسعة وتسعون اسمًا - مائة إلا واحدًا - من أحصاها دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر"وفي رواية (( من تخلق بصفة دخل الجنة ) )رواه البخاري من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.
وإزاء ما نلحظه عند الأصفهاني وغيره عند استخدامهم للدعوة إلى"التخلق بأخلاق الله"فإننا نرى أن أفضل تفسير لهذه الدعوة، أن"الصفات في حق الله تعالى كمال مطلق لا يحيط به بشر، وهي حين تنسب إلى الإنسان نقص يتدرج نحو الكمال بقدر ما يطلبه البشر [2] ."
ونعود إلى المقارنة بين الإسلام كمصدر للأخلاق عن حكماء المسلمين، وبين الدين والأخلاق في أوروبا، إذ يستطع الباحث الملم بتاريخ أوروبا في العصر الحديث تعليل بزوغ عصر النهضة على النقيض من أصول قيام الحضارة الإسلامية، قد كانت الأولى - أي الحضارة الأوروبية - حركة رد فعل لكل ما هو ديني، حيث انسلخت العلوم والآداب والنظم الاجتماعية عن الدين، وطرحت المفاهيم الدينية جانبًا وحلت محلها مفاهيم بشرية في كفة العلوم والنظم، ومن هنا
(1) يميز الأصفهاني بين مكارم الشريعة والعبادات. فإن العبادات فرائض معلومة ومحددة، بينما المكارم درجة أعلى من العبادات. ولا يستحق الإنسان مقام (الخلافة) إلا بتحري مكارم الشريعة لأن الخلافة عند الراغب الأصفهاني (الاقتداء به تعالى على الطاقة البشرية في تحري الأفعال الإلهية) ، الذريعة إلى مكارم الشريعة ص 29 ط مكتبة الكليات الأزهرية، مراجعة وتقديم طه عبد الرؤوف سعد 1393 هـ- 1973 م.
(2) قيم الحياة في القرآن: محمد شديد ص 69 دار الشعب 1393 م- 1973 م.