الأخلاقي، هذا كله دليل ما بعده دليل على أن الإنسان ليس جسدًا وغرائز وشهوات فحسب، ولكنه أفضل من ذلك وأسمى، وأن شقاءه الحقيقي ناجم عن عجزه عن المواءمة بين جسده وروحه، أي بين متطلبات الجسد واحتياجاته، وبين شوق الروح وتطلعها إلى الأسمى والأفضل.
لهذا يعد موقف علماء الإسلام في دائرة الإسلام استجابة لنداء القرآن بالنظر إلى الآفاق والأنفس، وفي ضوء هذا المنهج سيتضح لنا كيف كان الراغب الأصفهاني متوافقًا مع الآيات القرآنية ومستخلصًا منها التصور الصحيح للإنسان أثناء دورته في الحياة الدنيا، مرورًا بابتلاءاته المتوالية حتى ينتقل إلى الحياة الآخرة.
ومن النموذج الأخلاقي التطبيقي للراغب الأصفهاني سنعرف أن المشكلة الخلقية لم تطرح بواسطة علماء المسلمين بالطريقة التى طرحت بها على مسرح الفلسفة في أوروبا، سواء اليونانية قديمًا أو الغربية حديثًا، فباستثناء أشهر الفلاسفة كابن مسكويه - ومن سار على منهجهم ممن تأثروا بالنزعة اليونانية - لم ينفصل البحث في (( الأخلاق والقيم الخلقية ) )عن دراسة الإنسان في ظل شريعة الله تعالى وخضوع الإنسان لهذا التشريع في العبادة، والسلوك والأخلاق والأعمال الصالحة جميعًا، ولعل أول المستويات (( الخلقية ) )لدى المسلم، ينبغي أن تتحقق في تحري"الحلال"واجتناب"الحرام"، هذا فضلًا عن الصبغة الأخلاقية المميزة للشريعة الإسلامية كما قلنا في المقدمة.
وقد عني علماء المسلمين عند علاج المشكلة الأخلاقية بتفسير الكتاب الكريم وحرصوا على الاستضاءة بالسيرة النبوية؛ لأن الإسلام جاء مخاطبًا الإنسان، حاثًا إياه على الارتفاع إلى المستوى الأخلاقي اللائق به ليهيأ لخلافة الله تعالى على الأرض، فرتب النماذج الإنسانية قياسًا على طاعة الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -. قال تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [النساء: 69] .