الصفحة 154 من 253

وفي ضوء بحثنا للمشكلة الخلقية نجد أنها لم تطرح بواسطة علماء المسلمين بعامة بالطريقة التي طرحت بها على مسرح الفلسفة في أوروبا سواء اليونانية قديمًا أو الغربية حديثًا.

ولإثبات ذلك لجأنا إلى طريقة المقارنة لأنها كفيلة بتوضيح سمات الفكر الأخلاقي الإسلامي ومن ثم يستطيع القارئ الفاحص التمييز بين الأصالة والتبعية حيث نرى الحاجة الماسة إلى تعديل مناهج دراسة العلوم الإنسانية للتوافق مع العقيدة الإسلامية وتصورها الصحيح حتى يفهمها الجيل الحاضر ويقدر قيمتها ويعرف مدى الإسهام الحقيقي الذي قام به حكماء الإسلام في تراث الإنسانية، فيصبح دافعًا له على مواصلة نفس المنهج الذي ساروا عليه في الحياة العلمية والعملية.

وتنبع أخلاقيات الإسلام من أصلين: أولهما: عقيدة التوحيد التي جددها الإسلام ونادى بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، بالإضافة إلى الشريعة التي أنزلها الله تعالى عليه، فهي الأساس الضروري للحياة الإنسانية الطيبة لأنها تضع للمجتمعات البشرية النظم الملائمة لحياة الفرد وحياة الجماعة وفقًا لكافة القيم الخلقية العليا.

والأصل الثاني: الإيمان باليوم الآخر كضرورة توجه سلوك الإنسان إذ يزوده باستعداد نفسي للتضحية بالمتاع الزائل وتحمل الصعوبات والمشاق لبلوغ جنة الله تعالى ورضوانه، ولا يملك ذلك الاستعداد إلا من كان يؤمن إيمانًا عميقًا بأن كل منا سيقف أمام الله تعالى يوم القيامة ليحاسبه عما عمل في حياته الدنيا فيكافئه أو يعاقبه بحسب عمله.

وبخلاف هذه العقيدة وهذا الإيمان فإننا رأينا كيف تدهورت الأنظمة والقواعد الأخلاقية عندما قطعت صلتها بمصدر الوحي الإلهي، وتولت قيادتها أيدي البشر، وأصبح الاحتمال القائم - بل الماثل للأعين - وقوع العالم في ما يشبه الفوضى المؤدية إلى فساد الفرد والجماعة، وهو ما يتحقق أمام أعيننا بين شعوب العالم المسمى بالمتحضر.

ومهما يكن من أمر، فإن عناية أصحاب الاتجاهات الأخلاقية بوضع أسس صحيحة للإقرار بالقيم والمبادئ، وحرصهم جميعًا على رفع أصواتهم محذرين ومنذرين لمجتمعاتهم من التدهور

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت