أما دورها فهو المحافظة على الفطرة التي خلق بها الإنسان المشار إليها بقوله تعالى: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} [الروم: 30] ، وقوله عز وجل: {صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ} [البقرة: 138] فالصبغة هي العقول التي تميز بها الإنسان عن البهائم، والاستفهام في الآية للإنكار والنفي، فلا صبغة أحسن من صبغته تعالى، ويتساءل الراغب (( فكيف تذهب عنا صبغته ونحن نؤكدها بالعبادة، وهي تزيل رين القلب فينطبع فيه صورة الهداية؟ ) ) [1] .
وترتفع العبادة إلى أرقى مراتبها عندما يحب الإنسان أن يتحرى بها ابتغاء مرضاة الله. يؤديها بانشراح صدر بدلًا من مجاهدة النفس"ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: إن استطعت أن تعمل لله في الرضا باليقين فاعمل وإلا ففي الصبر على ما تكره خير كثير" [2] .
ثالثًا: إلى أين المصير؟
يرى الراغب أن الإنسان في دنياه مسافر متخذًا الدليل على ذلك قصة الخلق؛ إذ قال تعالى: {وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} [البقرة: 36] ، ويستشهد بعبارة على بن أبي طالب رضي الله عنه"الناس على سفر والدنيا دار ممر لا دار مقر وبطن أمه مبدأ سفره والآخرة مقصده وزمان حياته مقدار مسافته وسنوه منازله وشهوره فراسخه وأيامه أمياله وأنفاسه خطاياه يسار به سير السفينة براكبها" [3] .
فالغاية للإنسان ينبغي أن تكون دار السلام، ويحتاج في حياته إلى التزود للسفر، وهو في كدح وكبد ما لم ينته إلى دار القرار، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ} [الانشقاق: 6] .
والناس في طلبها على ضربين:
(1) تفسير القاسمي ج 2 ص 274.
(2) الذريعة إلى مكارم الشريعة: الراغب الأصفهاني ص 34.
(3) نفسه ص 9.