الصفحة 173 من 253

ضرب انصرفوا عن طلب الآخرة وركنوا إلى الدنيا، وقالوا: {مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا} [الجاثية: 24] وطلبوا الراحة فيها من حيث لا راحة، أي أنهم في أعمالهم وسلوكهم يبتغون من الدنيا (( ما ليس في طبيعتها ولا موجودا فيها ولها ) ) [1] .

ونفهم من رأي الأصفهاني انحراف هذا الموقف من الناحية الأخلاقية لأن أصحابه يسعون في تصرفاتهم نحو غاية لن تتحقق، مصداقًا لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا} [النور: 39] أما الضرب الثاني من الناس، فهم الذين عرفوا أنهم يعيشون في الدنيا بصفة مؤقتة كما قال سبحانه: {وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} [البقرة: 36] ، ومن ثم فقد أصبح الدافع لهم في أعمالهم التزود لدار اخلود، فاغترفوا من الزاد الروحاني كالمعارف والحكم والعبادات والأخلاق الحميدة، لأنهم على يقين من الحصول على ثمرته وهي الحياة الأبدية، فإن الاستكثار من هذا الزاد محمود"ولا يكاد يطلبه إلا من قد عرفه وعرف منفعته" [2] .

ولم ينس هذا الفريق من الناس في الوقت نفسه نصيبه من الدنيا، فتزود بالزاد الجسماني كالمال والأثاث {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ} [آل عمران: 14] ، وغايتهم أن يستعينوا به على الحياة الدنيوية الفانية، إذ من طبيعة هذا الزاد أن يسترد من الإنسان بعد مفارقته للدنيا، فلا ينبغي الركون إليه والاستغناء به عن الزاد الروحاني اللازم للآخرة {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ} [آل عمران: 185] ويخشى على المتكثر منه أن يثبط صاحبه عن مقصده. يقول الراغب"والاستكثار منه ليسر بمذموم ما لم يكن مثبطًا لصاحبه عن مقصده، وكان متناولًا على الوجه الذي بجب وكما يجب" [3] ، ويقصد بالشق الثاني من عبارته التقيد في المعاملات بمقتضى الشرع.

(1) تفصيل النشأتين: الراغب ص 39.

(2) تفصيل النشأتين: الراغب ص 39

(3) نفسه ص 40.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت