الصفحة 174 من 253

وقد تقصر نفس المرء عن الجمع بين الأمرين، وهنا يجب الاهتمام بما يبقى وتفضيله عما يفنى، أي إيثار الآخرة على الدنيا، ولا يأخذ من الثانية إلا بما يبلغ به دار الخلود بضرط مراعاة حكم الشرع والمحافظة على قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} [فاطر: 5] [1] .

ويحرص عالمنا الأخلاقي على أن يستخدم الإنسان قواه التى فطر بها للوصول إلى أشرف مراتب السعادة وأعلاها وهي السعادة الأخروية الجديرة بأن تعد السعادة الحقيقية والتي لا سبيل إليها إلا باكتساب الفضائل ولذلك قال تعالى: {وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا} [الإسراء: 19] [2] .

ونكتسب الفضائل باستخدام القوى الثلاث التى خص بها الإنسان، أي السعي في استخدام القوى الشهوية في حدود ما رسمه الشرع، واستعمال القوة الغضبية في المجاهدة التي تحميه، وقوته الفكرية لتحصيل العلم الذي يهديه، وعليه ألا يركن إلى الخمول والكسل، بل أن يعمل بقول القائل:"إن أردت أن لا تتعب فاتعب لئلا تتعب"فإن الإنسان أسمى من الحيوان، وإذا كان للحيوان قوة التحرك سعيًا لطلب الرزق، فللإنسان قوى العقل الذي إن لم يستخدمه فقد أبطل كل نعمة أنعمها الله عليه ويصبح وجود العقل عبثًا، لأن النفس تتبلد بترك التفكر والنظر كما يتبلد البدن بتعود الرفاهية بالكسل"فحق الإنسان أن لا يذهب عامة أوقاته إلا في إصلاح أمر دينه ودنياه وموصلاته إلى آخرته مراعيًا لها".

إن الحكيم الأصفهاني يصور الإنسان في حركة دائمة ساعيًا نحو غايته، فهو على سفر، ومقصده الدار الآخرة حيث تتحقق له السعادة الدائمة. بل إنه يستخدم لفظ"التحريك"معبرًا عن هذا التصور للإنسان في حركته، نحو الآخرة ويستند إلى الحديث"سافروا تغنموا"فإنه في رأيه يحث على التحريك الذي يثمر المأوى ومصاحبة الملأ الأعلى ومجاورة الله تعالى وكلها أسمى الغايات.

(1) تفصيل النشأتين ص 40.

(2) الذريعة إلى مكارم الشريعة ص 38.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت