الصفحة 185 من 253

الخلقي المبذول [1] ، وسنرى بعد قليل كيف يرسم طريق هذا الجهاد ويستحثنا على صعود الدرج الأخلاقي بمثابرة وهمة وإصرار لنغير أخلاقنا إلى الأحسن، ونقاوم آثار البيئة والعادة وأوهام الخضوع للطبائع الذميمة، وخير من يعين على ذلك هو الدين لا الفلسفة عن اقتناع بالفارق الكبير بينهما في علاج المشكلة الأخلاقية.

الأخلاق بين الدين والفلسفة:

لتعريف الدين عند ابن القيم أولًا أن نعرف العلم الإلهي، كما يراه فأصل العلم هو العلم بالله تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله، كذلك العمل بمرضاته وانجذاب القلب إليه بالخوف والرجاء فيتعين من ذلك أن تصبح أجل المقاصد في الشوق إلى لقائه والتنعم بذكره"وهذا أجل سعادة الدنيا والآخرة، وهذا هو الغاية التي تطلب لذاتها" [2] .

وهكذا لخص الدين كله بمقصوده الأسمى وغاياته العظمى فعرفه بكلمات مختصرة لها دلالات أخلاقية (( فالدين كله يدور على أربع قواعد: حب وبغض ويترتب عليهما فعل وترك ) ) [3] وذلك على التفصيل الذي سيأتي بيانه بعد اعتراضاته على الأخلاق الفلسفية ونلاحظ أنه تأثر فيها بشيخه ابن تيمية.

أما الفلاسفة فقد افتقدوا هذه النظرة المتكاملة للنفس البشرية وما يوجب سعادتها أو شقاوتها، فاعتبروا أن المقصود بالشرائع والعبادات تهذيب أخلاق النفوس وتعديلها لتستعد بذلك لقبول الحكمة العملية والعلمية، إذ إنهم رأوا النفس لها شهوة وغضب بقوتها العملية ولها تصور وعلم بقوتها العلمية فقالوا: وكمال الشهوة في العفة وكمال الغضب في الحلم والشجاعة وكمال

(1) عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين ص 12 - 13 - مطبعة الإمام.

(2) المرجع السابق ص 92.

(3) الروح ص 253.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت