بمثل هذا التفسير يفتح ابن القيم أمامنا مجالًا فسيحًا في دائرة محاولاته الهادفة للسمو بأخلاقنا، وبذل الجهود الدائبة لتحسينها والارتقاء بها، ويستحثنا على ذلك بيان أخلاق الله تعالى، إذ أنه سبحانه هو الصبور، بل لا أحد أصبر على أذى منه، وقد قيل: إن الله سبحانه أوحى إلى داود"تخلق بأخلاقي فإن من أخلاقي أني أنا الصبور"، ويعلق ابن القيم على ذلك بقوله:"والرب تعالى يحب أسماءه وصفاته ويحب مقتضى صفاته وظهور آثارها في العبد فإنه جميل يحب الجمال، عفو يحب أهل العفو، كريم يحب أهل الكرم، عليم يحب أهل العلم وتر يحب أهل الوتر قوي والمؤمن القوي أحب إليه من المؤمن الضعيف، صبور يحب الصابرين، شكور يحب الشاكرين، وإذا كان سبحانه يحب المتصفين بآثار صفاته فهو معهم بحسب نصيبهم من هذا الإنصاف، فهذه المعية الخاصة عبر عنها بقوله:"كنت له سمعًا وبصرًا ويدًا ومؤيدًا" [1] ."
ومع وضعه هذه الغاية العظمى والهدف الأسمى، فإنه يرسم الطريق ويخطط معالم الوصول عندما يحلل ويشرح طبيعة الإرادة الإنسانية، إذ لا عذر للمرء في اختيار الرذائل ومكابدة آلام الخطايا حيث الأسف والندم؛ لأن الإرادة صالحة للضدين، فاختيار أحد الطريقين على الآخر من مسئوليته، ويتم بحريته، فالعبد هو المستجيب المريد الفاعل حقيقة إذ لا سلطان لأحد على إرادته الحرة المختارة، وآية ذلك أيضًا حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - (( بعثت داعيًا ومبلغًا وليس إلي من الهداية شيء، وبعث إبليس مزينًا ومغويًا وليس إليه من الضلالة شيء ) ) [2] .
ويظل الإنسان طوال حياته - مع الكفاح في تقوية الإرادة والخير وإضعاف الإرادة الشريرة - مؤملًا في غفران الله تعالى، مستغفرًا من ذنوبه، عائدًا إلى الله تائبًا نادمًا مصممًا على الكف عما يغضبه يحدوه الأمل والرجاء، فقد كان عمر رضي الله عنه مع منزلته في الصحبة والإيمان والعدل
(1) عدة الصابرين ص 36 - 37.
(2) شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، ط الخانجي سنة 1323 هـ.