إنه يؤمن بأن الحقيقة القرآنية متكاملة (تشمل الحياة الأخلاقية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، أو ما يعبر عنه بالدين والدولة أو الدنيا، وليس الإسلام كالمسيحية التي اهتمت اهتمامًا بالغًا بالإصلاح الروحي، وأهملت النظام الاجتماعي، وهو ما أراد بعض الناس أن يطبقه على الإسلام أيضًا) [1] .
كما اعترض الإمام ابن باديس على طريقة المسلمين في تلقي القرآن وحفظه دون تطبيقه، فإن هذه الطريقة مخالفة لطريقة السلف حيث استخدموا عقولهم لفهمه، واستعملوا هممهم العالية لنشره وتعميمه (فإن القرآن لا يأتي بمعجزاته، ولا يؤتي آثاره في إصلاح النفوس إلا إذا تولته بالفهم عقول كعقول السلف، وتولته بالتطبيق العملي نفوس سامية وهمم بعيدة، كنفوسهم وهممهم) [2] .
هكذا فهم إمامنا رسالة القرآن، وكان هذا الفهم حجر الزاوية في منهجه الإصلاحي، لتخليص عقائد المسلمين من الشوائب، وأخلاقهم من تأثيرات التصوف، والأخذ بيدهم في الارتقاء والتقدم. ويعتبر أن الشرع كله متوجه إلى إصلاح النفوس، فصلاح الإنسان وفساده يقاس بصلاح نفسه وفسادها مستشهدًا بقول الله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 9، 10] فعارض بذلك المدرسة الاجتماعية التي تضع في المقدمة تغير المؤسسات الاجتماعية، وتفترض أن الإنسان صار إلى ما صار إليه نتيجة عوامل مختلفة، وهو مع مناداته بالإصلاح في ميادين الاقتصاد والاجتماع أيضًا، إلا أنه يرى أنه ينبغي البدء بالإنسان، ولهذا فإن العامل الأخلاقي هو الأساس في كل إصلاح عند ابن باديس بينما تجعله المدرسة الأخرى متأخرًا عن المسائل المادية، ومن المهم أن ندرك - كما فعل الدكتور عمار الطالبي في دراسته لمنهج الإمام الجزائري - أن كون النفس هي أساس الإصلاح ليس معناه التأمل والانقطاع عن الحياة، فإن هذا التصور كان بعيدًا تمامًا عن الفكر الباديسي، لأن ميزته العقلية
(1) مقدمة التفسير: عمار الطالبي ج 1 ص 100.
(2) الإمام ابن باديس: د. محمود قاسم (النص الأول من تفسير الإمام) ص 120.