ومع إدراكنا للصعوبات والعراقيل التي يجب تخطيها، فإن الإسهام في عمل مثمر يبدأ من مواصلة بيان أوجه إعجاز الإسلام في كافة أركانه ونظمه: العقيدة والعبادات والنظم والقيم والفضائل الأخلاقية.
ولما كان الإنسان"حي حساس متحرك بالإرادة"، أو أنه"حامل قيم"، أو أنه"همام وحارث"، فمعنى ذلك أنه يعمل بموجب ما يعتقده من عقائد أو فلسفات ويسعى في أعماله وسلوكه طبقًا لمعتقداته.
ومن هنا لعلنا نرسم طريقا مختصرًا في دراسة الحضارات إذا بحثنا في العقائد والفلسفات والنظم الأخلاقية المرتبطة بها، باعتبار أن الإنسان هو الأصل في قيام الحضارات وسقوطها بمكوناته العقدية الفلسفية ودوافعه السلوكية وقيمه الأخلاقية.
وبموجب هذا المنهج أيضًا فإن الدراسة الأخلاقية تكشف عن"جوهر"الحضارة المعاصرة إذا بحثنا في تلافيف عقل وقلب الإنسان الغربي من خلال تراثه الفلسفي ومذاهبه الأخلاقية. ولعلنا بذلك نستطيع الوصول إلى فهم أعمق لجوانب القصور في حضارته التي تبدو في الظاهر مزدهرة فاتنة، ولكنها في حقيقتها - بدراسة فلسفتها الأخلاقية - تكشف عن مخاطر تهدد العالم؛ إذ أصبح التقدم التكنولوجي في خطر لأن العلم بغير ضوابط أخلاقية، تصبح آثاره المدمرة أكثر بكثير من فوائده وها هي التهديدات بالحروب النووية وحروب الكواكب وغيرها من الكوارث التي تهدد البشرية بأوخم العواقب، ماثلة أمامنا.
وعندما نحيط بجوانب المذاهب الأخلاقية السائدة نستطع الحكم بقدر من الدقة على مدى قدرة استمرار الحضارة الغربية على البقاء، أو حتى علاج نفسها وإنقاذ العالم من المخاطر التي تهدده، فهل تستطيع أخلاق"المنفعة"، أو الأخلاق العملية البراجماتية أو الماركسية أو الوجودية الاستمرار في الإسهام في تقدم هذه الحضارة وبقائها؟
إننا بعد دراسة هذه المذاهب كما يتضح من كتابنا نشك في إمكان تحقيق هذا الغرض، فقد تعرضت"الأخلاق"والمبادئ الأخلاقية في أوروبا وأمريكا تاريخًيا- وفي العصر الحديث أيضًا -