إن جارودي بسبب إخلاصه للقيم التي هي ملك الإنسانية جمعاء كان دائم الحرص على توجيه النصح إلى أهل أوروبا وأمريكا للانفتاح على قيم الشعوب الأخرى والتخلص من الاستعمار حيث تزعم أوروبا وأمريكا الشمالية بأنها المركز الوحيد في المبادرة التاريخية وفي خلق القيم.
وذهب جارودي إلى أن الإنسانية في عصرنا الحاضر سوف تصاب بطعنات قاتلة إذا ما امتنعنا"أي أهل الغرب"عن البحث والكشف عن القيم التي من صنع تلك الشعوب التي عرقل الاستعمار نموها الأصيل وجردها من تاريخها الخاص [1] .
لذلك فإن منهجنا الذي لن نحيد عنه قيد أنملة- والذي يمليه علينا الإخلاص لقواعد المنهج العلمي العقلي - هذا المنهج يتلخص في دراسة ما عند الغرب من ألوان الثقافة التي تتناول الفلسفة وعلم النفس والاجتماع والأخلاق [2] إذ أنها تشكل التكوين الثقافي للشخصية الغربية ثم موازنتها بتراثنا الإسلامي في العلوم نفسها تاركين لبني قومنا- من الطلاب والقراء - إصدار أحكامهم بأنفسهم حيث لا تعوزهم ملكة الاختيار.
سقراط والنظرية الخلقية:
كان سقراط خصمًا عنيدًا للسوفسطائيين، وأخذ على عاتقه الرد على أباطيلهم بكل الوسائل بما في ذلك مجادلة الناس في الأسواق وعلى قارعة الطريق، وعرضته مواقفه للمحاكمة حيث صدر الحكم بإعدامه فتقبل هذا الحكم بصدر رحب ولم يحاول أن يبرئ نفسه [3] .
وإن الباحث ليقف طويلًا أمام العبارة التي أوردها الشهرستاني مشيرًا إلى نهي قومه عن عبادة الأوثان والشرك، إذ يصفه بأنه"الحكيم الفاضل الزاهد من أهل أثينية، وكان قد اقتبس الحكمة"
(1) محاضرات جارودي ص 153.
(2) نفذنا ذلك بكتابنا (مناهج البحث في العلوم الإنسانية بين علماء الإسلام وفلاسفة الغرب) حيث عقدنا مقارنة بين المنهجين الإسلامي والغربي في علوم النفس والاجتماع والسياسة والأخلاق. ط دار الدعوة بالإسكندرية 1412 هـ- 1991 م.
(3) تاريخ الفكر الفلسفي: د. أبو ريان ص 111.