من فيثاغورس وأرسالاوس، واقتصر من أصنافها على الإلهيات، والأخلاقيات واشتغل بالزهد، ورياضة النفس وتهذيب الأخلاق وأعرض عن ملاذ الدنيا واعتزل الجيل وأقام في غربة .. ثم يستطرد في باقي الحديث عنه فيقول إنه"نهى الرؤساء الذين كانوا في زمانه عن الشرك وعبادة الأوثان، فثاروا عليه الغاغة وألجأوا ملكهم إلى قتله، فحبسه الملك، ثم سقاه السم وقضيته معروفة" [1] .
وقد يظن القارئ لأول وهلة أن الشهرستاني يضعه في إطار ديني حيث يدعو إلى التوحيد، ولكن النصوص التي وردت في محاورات"فيدون"تؤيد هذه الرواية مما يدعم تحري الشهرستاني للوقائع وأمانته ودقته في القول، وإن اتفاق نصوص المحاورات التي نشرت حديثًا تتفق مع عبارته الآنفة الذكر.
ومن واقع رواية"السحب"لأرسطو، فإن الخصم العنيد لسقراط أورد ضمن اتهاماته إياه اتهامه"بالكفر بآلهة المدينة" [2] ، وورد في عريضة المحكمة"أنه ينكر آلهة المدينة، ويقول بغيرهم، ويفسد الشباب" [3] .
فماذا كان يقول سقراط أمام المحكمة؟
إنه يقول إن إرادة إلهية أوحت إليه أن يعظ مواطنيه ويحثهم على الصلاح بتعاليمه ونصائحه، راغبًا هدايتهم غير راغب في عرض من أعراض الدنيا، وإنه يتقبل الحكم عليه في كلا الحالتين بصدر رحب، وإذا صدر الحكم بموته فإنه لا يخشى الموت ولا يعتبره شرًا"بل يرى فيه الخير كل الخير سواء افترضناه سباتًا أبديًا أبو بعثًا لحياة جديدة" [4] .
(1) الملل والنحل تحقيق بدران القسم الثاني: الشهرستاني ص 89.
(2) تاريخ الفلسفة اليونانية: يوسف كرم ص 54.
(3) نفسه ص 54.
(4) تاريخ الفلسفة اليونانية، ص 56.