وكان سقراط أثناء حياته يأبى تصديق ما يروى من شهوات الآلهة وخصوماتها لأن هذا يتضمن انهيار الدين من أساسه، بينما يرى من مهام الدين"تكريم الضمير النقي للعدالة الإلهية، لا تقديم القرابين وتلاوة الصلوات مع تلطخ النفس بالإثم" [1] وقد أرجع مصدر آرائه وتعاليمه التي يبثها بين الشباب إلى ذلك الصوت الذي كان يسمعه في نفسه ينهاه عن إتيان الفعل الضار به"وكان يسميه بالروح الإلهي ولا ينسبه لإله معين" [2] .
إن المحنة السقراطية تكشف لنا عن احتمال قيام سقراط بمحاولة بعث لبقايا عقيدة دينية تأثر بها وأخذ عنها.
ومع هذا، فإنه من الصعب القطع برأي في هذه المسألة لا سيما وأنه أحيانًا يتحدث عن آلهة وأحيانًا عن الإله، ولكن دراسة الظروف والملابسات التي مر بها في حياته تجعلنا نتساءل أيضًا هل كان يؤمن بوجود الله وخلود النفس؟ [3] .
لقد سبقنا أستاذنا الدكتور قاسم - يرحمه الله - بهذا التساؤل لكي يتخذ من الإجابة عليه دليلًا على أن سقراط اتجه اتجاهًا روحيًا خلقيًا ودينيًا بحيث يعد بمثابة رد فعل لمادية معاصريه، كما يتخذ من التجربة السقراطية برهانًا على زيف في دعوى دوركايم الذي يرى في العبقرية نتاجًا للمجتمع، إذ يثبت لنا سقراط بآرائه وسلوكه أن عبقريته لم تكن من صنع المجتمع"لكن عبقريته، واستعداده النفسي الخاص، دفعاه إلى أن يفكر تفكيرًا مخالفًا لمعاصريه" [4] .
نظريته الخلقية:
(1) تاريخ الفلسفة اليونانية: يوسف كرم ص 54.
(2) نفسه ص 55.
(3) دراسات في الفلسفة الإسلامية: د. محمود قاسم ص 17 دار المعارف.
(4) نفسه ص 13.