الصفحة 69 من 253

النفعية، ونفوره المؤقت من النزعة الحسية، وتبرمه بالجبرية الأخلاقية التي تدعو إليها هذه النزعة" [1] ."

وقام مل بتصحيح مذهب المنفعة في نقطتين:

الأولى: أن اللذة ليبست راجعة كلها إلى اللذة الحسية كما رأى بنثام، إذ أن هناك لذات معنوية كيفية تتصل بحياة الوظائف العليا للإنسان، هي أشرف من حياة الوظائف الدنيا، ما من إنسان يرضى أن يستحيل حيوانًا أعجم [2] .

وربما كان مل متأثرًا بتفضيله كيفية اللذة على كميتها بالاتجاه المثالي الألماني الذي صاحب أزمته النفسية كما قلنا، فأخذ يميل إلى الاتجاهات العاطفية الوجدانية، مفضلًا لذات العقل على لذات الحس، ويذكر أننا لو سألنا"أهل الخبرة ممن مارسوا شتى اللذات، لكي نتحقق من أن هناك لذات نبيلة رفيعة وأخرى دنيئة حقيرة، فلا يمكن مثلًا أن توضع لذات الحس في مستوى واحد مع لذات العقل، بل ربما كان من الأفضل للفرد أن يكون إنسانا شقيًا، من أن يكون خنزيرًا متلذذًا" [3] ، ذلك لأن منابع اللذة عند الإنسان تخالف منابعها عند الحيوان، فللإنسان قوى عقلية ممثلة في العقل والوجدان والخيال [4] .

الثانية: إخضاع المنفعة الذاتية للمنفعة الكلية، فطالب الفرد بأن ينصف غيره ويغلب المصلحة العامة على المصلحة الفردية عملًا بنصح عيسى عليه السلام في معاملة الناس بما تحب أن يعاملوك به، وأن تحب جارك كما تحب نفسك، وجاهر مل بأن الخير هو ما يقصد إليه الحكيم ويلذ الرجل العاقل [5] .

(1) الفلسفة الخلقية: د. توفيق الطويل ص 294.

(2) تاريخ الفلسفة الحديثة: يوسف كرم ص 349 ط دار المعارف بمصر.

(3) المشكلة الخلقية: د. زكريا إبراهيم ص 169.

(4) الفلسفة الخلقية: د. توفيق الطويل ص 295.

(5) نفسه ص 294.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت