الصفحة 68 من 253

سار على نفس الدرب الذي سبقه إليه بنثام إمام المذهب الأخلاقي النفعي؛ إذ اعتبر علم الأخلاق علمًا وضعيًا موضوعه وصفه سلوك الأفراد في المجتمعات المختلفة، وجعل منهج البحث الأخلاقي استقرائيًا تجريبيًا بعد أن كان حدسيًا عقليًا [1] .

ومع أن جون مل قد نشأ منذ حداثته في رحاب المذهب البنثامي في المنفعة، مشاركًا أستاذه بنثام في إقرار المنفعة كغاية لسلوك الإنسان ومعيار للأحكام، فقصد بالمنفعة تحصيل اللذة والخلو من الألم، وعلق الأخلاقية على نتائج الأفعال دون بواعثها، واعتبر الجزاءات كعنصر مشجع على فعل الخير واجتناب الشر.

وأضاف جزاء خامسًا إلى الجزاءات التي سبقه إلى وضعها بنثام. فقد كان بنثام يرى أن أخلاقية الفعل مرهونة بجزاءاته؛ إذ يحث الجزاء الطيب على فعل الخير بينما ينفر الجزاء السيئ من إتيان الشر، مصنفًا الجزاءات إلى أربعة: بدنية تصيب الشرير في بدنه. وسياسية أو قانونية حيث تنزل العقوبات بمن يخالفها، وعرفية اجتماعية متمثلة في استهجان الرأي العام للخارجين على تقاليده، ودينية تظهر في عذاب جهنم للخارجين على تعاليم الله، أقر (مل) هذه الجزاءات التي وضعها إمام النفعيين الأول، وأضاف إليها جزاء خامسًا باطنيًا؛ إذ عد الجزاءات الأربعة السابقة خارجية تظهر في الطمع في الرضا والخوف من الضيف وخشية الأقران ورهبة الله، بينما يظهر الجزاء الباطني"في استشعار الضيق عندما يعصي الإنسان نداء الواجب، وارتياحه حين يلبي هذا النداء [2] ."

ولكنه على أثر اتصاله بالتفكير الألماني - لا سيما بمثالية كانط وهيجل - عن طريق شراحها الإنجليز - أصيب بأزمة نفسية، كانت سببًا في إعادة نظرته إلى النفعية الحسية التي تلقاها عن أستاذه بنثام،"وكان من أظهر دلالات هذا الموقف ضيقه بالأنانية المسرفة التي تقوم عليها"

(1) جون ستيوارت، د. توفيق الطويل ص 100 - 101 دار المعارف- نوابغ الفكر الغربي (6) .

(2) جون ستيوارت: د. توفيق الطويل، ص 116.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت