إن بنثام لا يهتم بالمقاصد أو النوايا وإلفا جعل همه نحو النتائج، فتحولت الحياة الأخلاقية على يده - والنفعيين بصفة عامة - إلى سعي وراء الوسائل المؤدية إلى المنفعة، دون نظر إلى قيمة الغاية التي يسعى نحوها. وربما لهذا السبب أصبح الرجل الحديث عبدًا للمنفعة ساعيًا وراء اللذات دون التفكير في الغاية التي يلتمسها من ورائها، ولذا يمكن القول بأن إنسان العصر الحديث (( أصبح مفتقرًا تمامًا إلى الإحساس بالقيم، تلك القيم التي تكمن وراء شتى الأشياء، وتضفي عليها كل ما لها من معنى أو دلالة" [1] ."
ومن المآخذ التي وجها إلى مذهب المنفعة عند بنثام، أنه في حقيقته مذهب أبيقور مقنعًا. كما أن مرد الخطأ في مذهبه يرجع إلى إرجاعه اللذة والألم إلى الكم، وهما في الحقيقة يرجعان إلى الكيف، ومن ثم يستحيل قياس القيمة الذاتية للذة باعتبار الكم، أو الموازنة بين لذتين من نوع واحد كلذة التفاح مثلًا ولذة الخوخ، ويستحيل الموازنة بين لذتين مختلفتين بالنوع كاللذة الحسية واللذة العقلية كذلك لا يوجد قياس مشترك بين قرب المنال والنقاء، أو بين الشدة والمدة، إلى غير ذلك من خصائص اللذة التي يمتنع اجتماعها للذة بعينها، وإنما يتفق بعضها للذة وبعض آخر للذة أخرى، وهكذا بحيث يقتنع المضاهاة ويمتنع الاختيار [2] .
ويبدو أن بنثام قد لاحظ التضاد بين قوله بشدة اللذة وشمولها للآخرين، لأنها إذا كانت قوية لصاحبها فإنها ستضعف بتوزيعها عليهم، فاستبعد في أواخر حياته منطوق المذهب"لأكبر عدد من الناس"، وأصبح شعاره"تحقيق أوفى قدر من السعادة"فكان بذلك أمينًا لنزعته الفردية [3] .
جون ستيورات مل (1806 - 1873 م) :
(1) المشكلة الأخلاقية. د. زكريا إبراهيم ص 168.
(2) تاريخ الفلسفة الحديثة: يوسف كرم ص 333.
(3) الفلسفة الخلقية. د. توفيق الطويل ص 262.