فهرس الكتاب
هل هو ضعيفُ الجسم أملسُه كالمرأة؟ أم هلْ هي قويةُ الجسم خشنتُه كالرجل؟ هل له شعرٌ طويلٌ كشعرها؟ هل رِدْفُه أو صدرُه بارزٌ كردفِها وصدرِها؟ هل هو حييٌّ مثلها؟ أم هلْ هي مقتحمةٌ مثله؟ هل تقوم هي بطَلبِه خاطبةً وزوجةً كما يَطلُبها هو خاطبًا وزوجًا؟ هل هو عاطفي مثلها، أو هي عقلانية مثله؟ هل يخافُ هو مثلما تخافُ هي مِن أقلِّ الأشياء؟ أمْ هلْ هو قريبُ الدمعة كما تسارِعُ هي إلى البُكاءِ لأهونِ سبب؟!
فكما يرَى القارئ؛ هناك أشياءُ يَتميَّزُ بها كلٌّ منهما ويُكمِّل بها الآخَرَ ممَّا لا يَجهله أحدٌ، وهذا ما يجعلهما طرفَينِ مُتقابلَينِ متكاملين، على عكسِ ما تحاول السيدةُ بارلس هي وأمثالُها إقناعنَا عبثًا.
وتَمضي الكاتبةُ فتقول، نقلًا عن كاتبٍ آخرَ نقْلَ الموافِقِ: إنَّ المسلمين القُدماءَ قد أخطؤوا في تفسيرِ القرآن خطأً كبيرًا مِن ناحية الذُّكورةِ والأنوثة؛ وذلك حين قالوا مثلًا: إنَّ لفظة"الإنسان"فيه تعنى"man"؛ أي:"الرجل"، وإنَّه لو كان تفسيرُهم هذا صحيحًا لكانتِ المرأة معفاةً مِن جميع أوامرِ القرآن ونواهيه (ص 104 - 105) .
وهي في هذا مخطئةٌ، لا المسلمون القُدامَى؛ إذ لم يحدثْ أن فسَّروا"الإنسان"بـ"الرجل"قصرًا على الذكور وحدَهم؛ كيف؟ معروف أنَّ البشر، ومِن ثَمَّ اللُّغة أيضًا، يَميلون إلى الاختصارِ والإيجاز؛ توفيرًا للوقت والجهد مِن جهة، وكسلًا ومللًا من جهة أخرى، وتجنبًا لمظنة اتهام السامع أو القارئ في ذَكائِه مِن جهة ثالثة، وبالتالى فما أكثرَ ما يُقدِّرون في اللغةِ حين يَتحدَّثونَ وحين يَكتُبون، وإلاَّ لكانتْ عمليةُ الكلام مِن الإرهاق بمكانٍ. ومُفسِّرونا القدماءُ حين يقولون في بعض السياقات:"الرجل"فهم يَقصِدون النوعَ الإنساني كلَّه رجالًا ونساءً وصِبيانًا وبناتٍ، ولا يَقصِرون كلامهم على الذُّكورِ ولا البالغين مِن الذكور وحدَهم، ولا أدْري لِمَ فاتها أنْ تُخطِّئهم أيضًا في استعمالهم تلك الكلمة للصبيانِ أو الشبَّانِ كذلك رغمَ أنَّهم لم يبلغوا مبلغَ الرِّجال؟!
أما إذا أصرَّتِ الكاتبةُ على تخطئتهم فما هي فاعلةٌ يا تُرَى مع القرآن المجيد، الذي كثيرًا ما يستخدم صيغةَ التذكير في خِطابه للمؤمنين والمؤمنات، والمنافقين والمنافقات، والكافرين والكافرات، فيقول:"المؤمنون"و"الكافرون"و"المنافقون"فقط للنوعَينِ جميعًا، ونادرًا ما يقول:"المؤمنون والمؤمنات"و"المنافقون والمنافقات"؟ أتراها تقول: إنَّ القرآنَ قد أخطأ؟ أستغفِرُ الله العظيم! لكن هذا ملحوظٌ في اللُّغاتِ الأخرى التي تميِّز بيْن الذكور والإناث بصِيَغٍ لُغويَّة كما هو الحالُ في الفَرنسيَّة؛ إذ حين يكونُ هناك جمعٌ مِن الرجال والنساء فإنَّها تستخدم لهم جميعًا