الصفحة 99 من 138

فردُّنا عليه بسيط جدًّا، وهو أنَّنا لا نقول بحرمان المرأة مِن العَقل والتفكير والحسِّ الخُلقي، بل كل ما نقوله أنَّ هناك فروقًا بيْن هذه الهبات الإلهيَّة عندَها عنها عندَ الرجل، ومعروف أنَّ الله لا يُكلِّف نفسًا إلا وُسعَها، بما يَعني أنَّ الحساب الإلهي حسابٌ عادِل يُراعي ظروفَ كل شخصٍ وكلِّ نوْع، ولا يأخذ البشَرُ جميعًا مأخذًا واحدًا دون مراعاة للفُروق الفرديَّة والنوعيَّة التي تُميِّز شخصًا عن شخص، ونوعًا عن نوعٍ.

فأمَّا القولُ بأنَّ اختلاف عقليةِ المرأة مثلًا في بعضِ الجوانب عن عقلية الرجُلِ مدعاةٌ للقول بإعفائها مِن الحسابِ، فهو ما لم يقلْ به أحدٌ؛ إذ لم يقلْ أحدٌ: إنَّ المرأة محرومةٌ من العقل والتمييز، بلْ كلُّ ما قيل: إنَّ ثَمَّ لمساتٍ خاصَّةً تميِّزها عن الرجُلِ وتُميِّز الرجلَ عنها فيما هو مشترك بينهما، وما أكثرَ ذلِك المشتركَ! وإذا كان الطلابُ مثلًا لا يُعْفَوْن من الحسابِ الإلهي يومَ القيامة ولا مِن الحسابِ القانوني هنا على الأرض رغمَ أنَّهم لا يتساوَوْنَ مع أساتذتهم في العقل ولا في العِلم؛ فكيف تقول بارلس: إنَّ تفوُّقَ الرجُلِ على المرأة يستلزم أن تُعْفَى المرأةُ مِن المسؤوليةِ والمحاسبَة؟! علينا إذًا - طبقًا لهذا المنطق العجيب - أن نُعْفِىَ العوامَّ جميعًا؛ لأنَّهم أقلُّ في الفَهمِ والعقل والحساسية مِن المثقَّفين، لكن هذا كلامٌ لا يقولُه أيُّ شخص في ذِهنه مُسْكَةٌ من عقل!

كذلك لسنا معها في نفيها أنْ يَكونَ القُرآنُ قد تحدَّثَ عنِ الرَّجلِ والمرأة بوصفهما كائنَينِ مُتقابلَينِ لا متطابقينِ (ص 103) ؛ إذ الواقعُ أنَّ القرآن يَتحدَّث عنهما بوصفِهما كائنَينِ متقابلَينِ في بعضِ الصِّفات، لكنْ في ذات الوقتِ مُتكاملين، وإلَّا فلِمَ سمَّاهما: ذكرًا وأُنثى؟ ولم قالَ: إنَّه خَلَق لنا - نحن البَشرَ - مِن أنفسنا أزواجًا؛ أي: ذُكورًا وإناثًا، بما يدلُّ على أنَّ هؤلاء غيرُ أولئك رغمَ الأرضية الكبيرة المشترَكة بينهما؟ أليس شكلُ الجسمِ عِندَ الرَّجلِ يَختلف في كثيرٍ مِن الأشياء عن شكلِه في المرأة؟! ألاَ يَكفي هذا حتى نقول بأنَّ هناك فروقًا بيْن النوعين وأنَّهما فعلًا يمثِّلانِ طرفَينِ متقابلَينِ؟ أم ترى التاريخ كله حتى عصرنا الحاليِّ كان كاذبًا أو مضلَّلًا فلم يعرفْ حقيقةَ الأمر؟! وإذا لم يكونَا طرفينِ متقابلينِ فلِمَ يا تُرَى كان الزواجُ، الذي يكمِّل به كلٌّ منهما الآخَرَ؟ لو أنَّهما كانا متطابقَينِ لاكْتفَى كلٌّ منهما بنفْسِه في عمليةِ التكاثُرِ مثلًا كما هو الحال في النباتات؛ إذ تَجمَع بيْن أعضاء الذكورةِ والأُنوثةِ في ذات الوقت؛ أليس كذلك؟!

تُرَى هلِ الرجل يَحيضُ ويَنْفَس، ويَحمَل ويَلِد ويُرْضِع مثلًا كالمرأة؟! هل يُدِرُّ ثدياه لبنًا كما هو الحالُ بالنسبة لثديي المرأة؟! وهل تظلُّ المرأة طولَ عُمرها قادرةً على الإنجاب كالرجلِ؟ هلِ الجهازُ التكاثري واحد عندَ الاثنَينِ؟ هلِ المرأة خشنةَ الصوت كالرجُلِ، أو هو رَقيقُه كالمرأة؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت