الصفحة 103 من 138

قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ * بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ * وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ [الزخرف: 21 - 24] .

وفى الوحيِ المدني نقرأُ قولَه - عز شأنُه: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ} [المائدة: 104] .

وتقول الكاتبة تعليقًا على أشباه هذه الآيات:"إنَّ الإسلامَ شأنُه شأنُ الأديان السماويَّة الأخرى، يدعو إلى اعتناقِ دينِ اللهِ، ونبْذ دين الآباء"؛ (انظر ص 119 وما بعدها) .

نعم تقول هذا، وكأنَّ جميع الآباء دائمًا ما يُعادون دينَ اللهِ، فهل هذا صحيحٌ؟ وهل"الأبوَّة"هنا هي المقابل لـ"الأمومة"كما تُريد أن تقولَ الكاتبةُ بين السُّطور؛ بُغيةَ إيهامنا أنَّ الآباء هم سرُّ البلاء؟

الواقع أنَّ"الآباء"هنا ليسوا الآباءَ الحقيقيين فقط، ولا الآباء الحقيقيِّين بالضرورة، بل المقصودُ الأجيالُ الماضية التي درَجت على العادات والتقاليد، والعقائدِ الكافرة، والشَّعائرِ الفاسدةِ المُنحرفة، ولا تريدُ أن ترجعَ عنها مهما سطَعت في الآفاق أنوارُ الحقيقة باهرةً. والأجيال الماضية مثَلُها مثَلُ الأجيال الحاضرة والمُستقبَلة، ليستْ آباءً فحسب، بل آباءً وأُمَّهات، وأعمامًا وعمَّات، وأخوالًا وخالات، وإخوة وأخوات، وجدودًا وجدَّات؛ أي: إنها تضمُّ الرِّجال والنساء، ومَن هم آباءٌ، ومن ليسوا بآباءٍ، ومن هذا الوادي تسميةُ القرآن الخليلَ إبراهيمَ - عليه السلام - بـ"أبيكم"؛ أي: أبي العرب، مع أنه ليس أباهم بالمعنى الذي تَقصِده السيدة أسما بارلس.

كما تكرَّر وصفُ القرآن المجيد لـ"الآباء"بـ"الأوَّلين"؛ مما يدلُّ على أنَّ المقصودَ هم الأسلافُ، وليس الآباءَ المُباشرين، كما تريدُنا بارلس أن نفهمَ، وفي الحديث الشريف يُوصف كلٌّ من آدمَ وإبراهيم - عليهما السلام - بـ"أبيكم"، ومن ذلك الوادي أيضًا ما قاله صاحبُ"شرح صحيح البخارى"، تفسيرًا لتسمية أبي سفيان للنبي - صلى الله عليه وسلم - بـ"ابن أبي كبشة"بقوله:"وابنُ أبي كبشة: أرادَ به النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لأنَّ أبا كبشة أحدُ أجداده، وعادةُ العربِ إذا انْتَقَصتْ نسبتْ إلى جَدٍّ غامض، قال أبو الحسنِ النَّسابة الجُرجاني: هو جَدُّ وهبٍ جَدِّ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لأُمِّه، وهذا فيه نظرٌ؛ لأن وَهْبًا جَدَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - اسمُ أُمِّه عاتكةُ بنت الأوقص بن مرَّة بن هلال، ولَم يقل"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت