الصفحة 106 من 138

والأنبياء، بحجَّة أنها تُخالف ما درَج عليه المجتمعُ منذ عدَّة أجيالٍ، هي عمر الفساد والانحراف في ذلك المجتمع.

أرجو أن تكونَ الصورةُ الآن قد وضَحت، وأَزيدك - أيها القارئ - من الشِّعر بيتًا، فأقول لك: إنَّ أبا بكر الصديق مثلًا كان أبًا، ومع هذا فقد سارَع إلى الإسلامِ، بينما ظلَّ أحدُ أبنائه على كفرِه ردحًا من الزَّمنِ قبل أن يُسلمَ، في الوقت الذي أسلَم فيه أبوه أبو قُحافة دون تَلجْلُجٍ، كما أنَّ الآباءَ في الإسلام مأمورون بأن يُنشِّئوا أولادَهم على الدِّينِ والخُلُق الفاضل القويم، وعلى الصَّلاةِ، وقولِ الصِّدْقِ، وما إلى هذا.

فهل يا تُرى يدخلون تحت عنوان"الآباء"بالمعنى الذي تَقصِده الكاتبة؟ بكلِّ يقينٍ: لا، وعلى هذا فليست المعركةُ هنا بين التوحيد والبطرياركيَّة"الأبويَّة"؛ كما تقولُ الكاتبةُ:"conflict between monotheism and patriarchy [ص 121] ، بل بين التَّوحيدِ والوثنيَّة."

وفي القرآن نسمعُ كثيرًا من الأنبياء والمؤمنين العاديِّين يدْعون لآبائِهم: أن يُبارِكَهم اللهُ ويرضى عنهم، بما يُفيدُ أنهم آباءٌ طيِّبون، وأنَّ الدُّعاءَ لهم أمرٌ مرغوبٌ ومأجور، فسليمان - عليه السلام - حين يَسمع النَّملةَ تقول ما تقول، ويفهمُ عنها، نراه يَهتف: {رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ} [النمل: 19] .

ثم ها هو ذا أحدُ الأبناء يُصِرُّ على الكفر، بينما أبواه يدْعوانه بكلِّ إلحاحٍ أن يَلتحقَ معهما بطائفة المؤمنين؛ {وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} [الأحقاف: 17] .

كذلك نسمع نوحًا - عليه السلام - يَبتهل إلى الله قائلًا: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا} [نوح: 28] .

ولا نَنسَ أنَّه إذا كان أبو إبراهيمَ الخليلُ كافرًا، فإنَّ أبا إسماعيل وإسحاقَ - أي: إبراهيمَ نفسَه - كان مؤمنًا، بل رسولًا من عُظماءِ الرُّسل، مثلما كان إسحاقُ والدُ يعقوبَ رسولًا، وكان يعقوبُ أبو يوسفَ رسولًا، فهؤلاء ثلاثةُ أجيالٍ من الآباء كانوا يمثِّلون معسكرَ الإيمان، وأيَّ إيمان؟ وبالمِثْل كان زكريَّا أبو يحيى - عليهما السلام - وهو ما يصدُقُ على كلِّ نبيٍّ ورسولٍ ومصلحٍ وداعيةٍ وكلِّ رجلٍ صالحٍ له أبناءٌ، أليس كذلك؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت