الصفحة 107 من 138

وعلى الضِّفَّة الأخرى هناك من النِّساء والأمهاتِ مَن لا يقصِّرْن عن الرِّجال والآباء في التَّنفيرِ من دينِ اللهِ ومحاربتِه: فلدينا مثلًا زوجتا نوحٍ ولوطٍ، اللتان خانتا زوجَيْهما ولَم تؤمِنا بدعوتِهما، وجاء في"البداية والنهاية"لابن كثيرٍ عن سعد بن أبى وقَّاصٍ:"أنزل اللهُ فِيَّ:"وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ"؛ وذلك أنَّه لَمَّا أسلم امتنعت أمُّه من الطَّعام والشَّراب أيامًا، فقال لها: تعلمينَ والله لو كانت لكِ مائةُ نفسٍ، فخرجَتْ نَفْسًا نَفْسًا ما تركتُ ديني هذا لشيءٍ، إنْ شئتِ فكُلِي، وإن شئتِ فلا تأكلي"، وكانت أمُّ جميلٍ زوجةُ أبي لهبٍ مِن ألدِّ النَّاسِ كراهيةً للرسولِ ودينِه، وكان لها تأثيرٌ على ولدَيْها، اللذين كانا خاطبينِ رقيَّةَ وأمَّ كلثومٍ قبل أن يتزوجَّهما عثمانُ - رضي اللهُ عنه - واحدةً بعد الأخرى، ومثلُ أمِّ جميلٍ في لَدَدِ الخصومةِ مع الإسلامِ وأتباعِه كانت زوجةُ أخيها هندُ بنت عتبةَ، أمُّ معاويةَ بن أبي سفيانَ قبل أن يكتبَ اللهُ لها اعتناقَ الإسلام يوم الفتح، ولدينا أيضًا اليهوديَّةُ التي وضعت السمَّ في كتِفِ الشاةِ لتقتلَ به الرَّسولَ - عليه السلام - لولا أنَّ اللهَ نجَّاه من تلك المؤامرةِ، وعندنا سَجَاحِ، وإن كانت أسلمَتْ بعد حربِها المستطيرةِ للإسلامِ، لكن بعدما سَوَّت الهوائلَ! وسَجَاح كاهنةٌ، إلا أنها لم تكنِ الكاهنةَ الوثنيَّةَ الوحيدةَ عند العرب، بل كان هناك مِثْلُها كاهناتٌ كثيراتٌ يصدُدْنَ عن دينِ اللهِ، إن لَم يكنْ مِنْ أجلِ شيءٍ فمن أجلِ الحفاظِ على مكانتِهن ومكاسبِهن من وراء مِهنة الكِهانةِ، وهناك كذلك سارة مولاة أبي عمرِو بن صيفي بن هاشم بن عبدمنافٍ، التي كانت تحمل رسالةَ حاطبِ بن أبى بَلْتعةَ إلى المشركين المكِّيين قبل الفتحِ بقليلٍ، يخبرُهم فيها بأنَّه - صلى الله عليه وسلم - ينوي غزْوَهم، إلا أنَّ اللهَ لَمْ يمكِّنْها من إيصالِ الرِّسالة؛ إذ وقعت في أيدى المسلمين قبل أنْ تصلَ إلى مكَّة، ومن النِّساءِ المحاربات للإسلام قَيْنَتَا عبدِالله بن خَطَلٍ، اللتان كانتا تغنِّيانِ بهجاءِ الرَّسولِ - عليه السلام - تحريضًا على دينِه، وتبغيضًا للنَّاسِ فيه، وصدًّا لهم عن اعتناقِه، فهل نقول:"فَتِّش عن المطرياركية"كما تقولُ الدكتورة بارلس:"فَتِّش عن البطرياركية"كلما عَنَّ لها أنْ تفسِّرَ شرًّا أو أذًى؟ لا، لا نقولُ هذا؛ لأنَّ الأمَّهاتِ في ذلك لَسْنَ بِدْعًا، بل تصرُّفُهن على هذا النَّحوِ أمرٌ طبيعيٌّ يفعلُه الرِّجالُ والنِّساء على السَّواءِ، والإنسانُ - ذكرًا كان أو أنثى - هو ابنُ بيئتِه إلى حدٍّ غيرِ قليلٍ، ويحتاجُ إلى وقتٍ حتى يمكِنَه التخلُّصُ من آثار البيئة، وبخاصَّةٍ في مجال الدِّينِ، اللهم إلا إذا كان من طرازٍ نادرٍ، أو تعرَّضَ لرجَّةٍ عنيفةٍ طيَّرت النومَ من عينيه، وأيقظَتْه من غَفوتِه سريعًا، أو كانت له مصلحةٌ قويةٌ في الوضعِ الجديد.

كذلك ليست الوثنيةُ هي وحدها العقيدةَ التي تقوم على متابعةِ الآباء - أى: الأجيالِ الماضية - على ما كانوا عليه، بل ذلك شأنُ كلِّ دينٍ أو مذهبٍ أو فلسفةٍ أو اتِّجاهٍ أو تيَّارٍ أو تقليدٍ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت